تعيش المنطقة حالة من الاستعصاء السياسي والعسكري يمكن وصفها بأنها 'هدنة مع وقف التنفيذ'، حيث تعرضت التفاهمات الأمريكية الإيرانية لخروقات واسعة شملت جبهات متعددة من الخليج العربي وصولاً إلى لبنان. وقد تجلى هذا الانهيار في العدوان الدموي الذي شنه الكيان الإسرائيلي على العاصمة بيروت، مخلفاً مئات الضحايا بين قتيل وجريح في صفوف المدنيين.
رداً على هذا التصعيد، اتخذت طهران خطوات تصعيدية تمثلت في تعليق الملاحة عبر مضيق هرمز، مؤكدة أن هذا الإجراء يأتي رداً مباشراً على خرق الاتفاقات في الساحة اللبنانية. كما طالت الضربات الإيرانية منشآت في دول خليجية، كرسالة ردع على الغارات الجوية التي استهدفت الأراضي والمنشآت الإيرانية في وقت سابق.
من جانبه، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التنصل من المسؤولية عن الانتهاكات الإسرائيلية، مدعياً أن اتفاق الهدنة المبرم لا يغطي الساحة اللبنانية. هذا التصريح جاء مناقضاً تماماً لما أعلنه الوسيط الباكستاني، رئيس الوزراء شهباز شريف، الذي أكد شمولية الاتفاق لكافة الجبهات المرتبطة بالصراع.
تعكس هذه الهشاشة في وقف إطلاق النار ميزان قوة غير مستقر وسيولة عالية في منظومة التحالفات الإقليمية، حيث تحولت الهدنة إلى ورقة ضغط بيد الأطراف المتصارعة. ويسعى كل طرف من خلال هذه الخروقات إلى إعادة رسم ملامح المواجهة المستقبلية بما يضمن تعزيز أوراقه التفاوضية في أي تسوية قادمة.
إن نتائج المعارك الحالية بلغت قدراً من الخطورة يهدد بإعادة تشكيل المنظومة الإقليمية والدولية بشقيها الأمني والاقتصادي. فالاختراقات المتكررة للهدنة باتت هي القاعدة، بينما أصبح الالتزام بها هو الاستثناء بانتظار تبلور شروط دولية جديدة تسمح باتفاق مستدام ينهي حالة الحرب.
الميدان في جنوب لبنان وشرق المتوسط، وبالتوازي مع التطورات في باب المندب، يشير إلى تحولات كبرى تضعف النفوذ الأمريكي التقليدي. هذا الاضطراب لم يترك أمام واشنطن والاحتلال الإسرائيلي سوى محاولة التمسك بمخرجات اتفاق أيلول 2024، والسعي لاستنساخه في مناطق أخرى لتطويق النفوذ الإيراني.
في المقابل، تقود إيران بمساندة قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، وبدرجة ما مصر والسعودية، جهوداً لفرض اتفاق جديد يراعي موازين القوى المتغيرة. ويهدف هذا التوجه إلى مد أثر التفاهمات لتشمل قطاع غزة وجنوب سوريا، مع تأكيد السيطرة على الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز.
الواقع الميداني في لبنان والخليج فتح الباب أمام تحولات كبرى تعكس هشاشة النفوذ الأمريكي واضطراب موازينه العسكرية والسياسية.
التهديدات الأمريكية التي أطلقها ترامب وقائد المنطقة المركزية 'سنتكوم' الأدميرال براد كوبر بحشد المزيد من القوات، لم تمنع طهران من إحكام قبضتها على حركة النقل البحري. هذا التحدي المباشر يعكس رغبة إيرانية في فرض معادلات جديدة تردع أي خروقات إسرائيلية مستقبلية مدعومة من واشنطن.
لا تقتصر تداعيات هذه الهدنة على الأطراف المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل القوى الدولية الكبرى مثل الصين وروسيا وأوروبا. فالجميع يراقب هندسة ميزان القوة الجديد، حيث يتجه النظام الدولي نحو تعددية قطبية لا تخضع بالضرورة للتحكم أو الإدارة الأمريكية المنفردة.
لقد باتت معادلة 'التعددية المتحكم بها أمريكياً' صعبة التحقق في ظل فقدان واشنطن القدرة على التأثير في مناطق نفوذها التاريخية. فالفشل في السيطرة على المنظومات الإقليمية في الخليج وشرق المتوسط يفتح الباب أمام تمرد باقي المنظومات الفرعية عن الهيمنة الأمريكية.
تخوض إدارة ترامب حالياً سباقاً مع الزمن لاستعادة زمام المبادرة في المنطقة بعد سلسلة من الإخفاقات وسوء التقدير في التعامل مع الملف الإيراني. ويبدو أن تهشيم الهدنة الحالية هو محاولة أخيرة لتعديل ميزان القوى، إما عبر جولة قتال جديدة أو بفرض مسارات تفاوضية منفصلة.
تسعى واشنطن بشكل حثيث لفصل المسار اللبناني ومسار غزة عن المفاوضات الجارية في إسلام آباد، داعية إلى مفاوضات مباشرة في واشنطن. الهدف من هذه الخطوة هو منح الكيان الإسرائيلي نفوذاً مستقراً في شرق المتوسط بملامح تطبيعية، بعيداً عن ضغوط المحاور الإقليمية الصاعدة.
المشروع الإقليمي الإسرائيلي يواجه تآكلاً مستمراً لصالح مشاريع صاعدة من قوى إقليمية كبرى مدعومة من الصين وروسيا. هذا التحول يأتي في وقت تزداد فيه النقمة الأوروبية على سياسات ترامب، وعجز 'الدولة العميقة' في الولايات المتحدة عن لجم توجهاته التي يصفها البعض بالتهور.
في الختام، تظل الهدنة الحالية مجرد مرحلة انتقالية في صراع أوسع على هوية النظام الإقليمي، حيث يسعى كل طرف لتثبيت مكتسباته قبل الوصول إلى لحظة الحقيقة. إن القدرة على التحكم في الممرات المائية والساحات المشتعلة ستحدد من سيفرض شروطه في الاتفاق النهائي الذي قد ينهي عقوداً من الصراع.





شارك برأيك
هدنة هشة وموازين قوى مضطربة: صراع النفوذ بين طهران وواشنطن يعيد رسم خارطة المنطقة