عربي ودولي

الخميس 09 أبريل 2026 12:57 مساءً - بتوقيت القدس

بين التهديد بالإبادة وإعلان الهدنة: تقلبات استراتيجية واشنطن تجاه طهران تثير قلق الحلفاء

شهدت الأسابيع الأخيرة تحولات حادة في الموقف الأمريكي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث انتقل الرئيس دونالد ترامب من لغة الوعيد بتدمير البلاد إلى إعلان مفاجئ لوقف إطلاق النار. هذا التقلب أثار تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية الدولية حول استقرار الاستراتيجية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهداف طويلة الأمد في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة.

وأفادت تقارير صحفية دولية بأن الولايات المتحدة استعرضت قوتها العسكرية بشكل مذهل خلال المواجهة الأخيرة، إلا أن هذا الاستعراض ترافق مع تذبذب واضح في الخطاب السياسي. فبعد التهديد بمحو حضارة بأكملها، تراجع البيت الأبيض ليعلن عن هدنة مؤقتة، مما ترك انطباعاً متبايناً لدى الحلفاء والخصوم حول جدية التهديدات الأمريكية المستقبلية.

وربطت مصادر إعلامية بين هذا التراجع وبين نمط متكرر في سلوك الرئيس ترامب، حيث يُستخدم التصعيد الكلامي كأداة للضغط قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. واستشهدت المصادر بعبارات شعبية أمريكية تصف هذا السلوك بـ 'التراجع المتكرر'، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب قد يؤثر سلباً على مصداقية واشنطن في النزاعات الدولية الكبرى.

وفي منشور له عبر منصة 'تروث سوشيال'، أوضح الرئيس ترامب أن استمرار الهدنة مرهون بالتزام طهران الكامل بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بشكل آمن. وأشار إلى أن النقاشات الحالية تتطرق إلى تفاصيل فنية تتعلق برسوم العبور، وهو ملف لم يكن مطروحاً للنقاش قبل اندلاع شرارة النزاع العسكري الأخير.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تسعى حالياً لإنهاء الصراع والتعامل مع ما وصفته بـ 'التغيير النظامي' في القيادة الإيرانية الجديدة. ورغم أن القيادة الحالية تبدو أكثر تشدداً من سابقتها، إلا أن واشنطن تراهن على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تجبر طهران على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات إقليمية شائكة.

من جانب آخر، أثار خطاب التهديد بـ 'الإبادة الجماعية' موجة من الانتقادات حتى داخل الحزب الجمهوري، حيث اعتبره البعض خطوة متهورة تضر بمكانة الولايات المتحدة الأخلاقية. وأعرب نواب جمهوريون عن قلقهم من أن مثل هذه التصريحات لا تتوافق مع المبادئ والقيم التي قامت عليها السياسة الخارجية الأمريكية طوال عقود.

وصرح النائب عن ولاية تكساس، ناثانيال موران، بأنه لا يمكن تأييد فكرة تدمير حضارة بأكملها، مؤكداً أن هذا النهج غريب عن الهوية الأمريكية. وفي سياق متصل، أعرب السناتور رون جونسون عن أمله في أن تكون تصريحات الرئيس مجرد 'تهديدات فارغة' تهدف للضغط السياسي وليس للتنفيذ الفعلي على أرض الواقع.

ويشير التقرير إلى أن نمط 'الإنذارات غير المنفذة' أصبح سمة مرتبطة بعهد ترامب، بدءاً من تهديدات سجن الخصوم السياسيين وصولاً إلى فرض رسوم جمركية شاملة. هذا السلوك دفع بعض الحلفاء التقليديين للبحث عن ترتيبات أمنية وسياسية بديلة، تحسباً لقرارات أمريكية مفاجئة قد لا تأخذ مصالحهم بعين الاعتبار.

في المقابل، يدافع مؤيدو الإدارة الأمريكية عن هذا النهج، معتبرين أن التهديد بالقوة القصوى كان ضرورياً لإخضاع نظام يصفونه بـ 'الشرير'. ويرون أن الصدمة التي أحدثتها التهديدات، تلتها الضربات العسكرية المحدودة، هي التي أجبرت طهران على قبول شروط الهدنة والحديث عن ترتيبات مضيق هرمز.

وأكدت مصادر ميدانية أن العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية العسكرية للنظام الإيراني. ومع ذلك، حذرت المصادر من أن القيادات المخضرمة التي لا تزال في سدة الحكم قد تتبنى استراتيجيات انتقامية بعيدة المدى، مما يجعل الهدنة الحالية هشّة وقابلة للانهيار في أي لحظة.

لقد أظهرت الأسابيع الستة الماضية تفوقاً عسكرياً أمريكياً لا يمكن إنكاره، لكن السلوك السياسي غير المتوقع ألقى بظلال من الشك على استقرار العلاقات الدولية. هذا النمط من التفكير 'الصادم' كشف عن فجوة في التفاهم بين واشنطن وعواصم عالمية أخرى كانت تعتمد على ثبات المواقف الأمريكية في الأزمات.

ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه الهدنة تمثل بداية لمسار دبلوماسي جديد، أم أنها مجرد استراحة محارب قبل جولة أخرى من التصعيد. فالتفاصيل المتعلقة برسوم العبور في مضيق هرمز والالتزامات الأمنية الإيرانية ستكون الاختبار الحقيقي لمدى نجاح استراتيجية 'الضغط الأقصى' التي يتبعها ترامب.

إن العواقب المترتبة على مكانة الولايات المتحدة في العالم جراء هذه التقلبات لا تزال قيد التقييم من قبل مراكز الأبحاث الاستراتيجية. فبينما يرى البعض فيها قوة مرنة وقادرة على المناورة، يرى آخرون أنها تآكل للردع الأمريكي التقليدي الذي كان يعتمد على وضوح الخطوط الحمراء وثباتها.

ختاماً، تظل الأعين شاخصة نحو طهران لمعرفة مدى استجابتها للشروط الأمريكية الجديدة في ظل واقع ميداني معقد. إن التغيير في القيادة الإيرانية، رغم تشدده، يواجه تحديات داخلية وخارجية قد تجبره على السير في حقل ألغام الدبلوماسية الأمريكية المتقلبة لتجنب سيناريوهات الدمار الشامل.

دلالات

شارك برأيك

بين التهديد بالإبادة وإعلان الهدنة: تقلبات استراتيجية واشنطن تجاه طهران تثير قلق الحلفاء

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.