أقلام وأراء

الأربعاء 08 أبريل 2026 3:57 مساءً - بتوقيت القدس

تفكيك اللاهوت الحربي: عندما يتحول الصراع السياسي إلى 'مهمة إلهية'

يشهد الواقع السياسي المعاصر انزياحاً إبستمولوجياً عميقاً، حيث تتسلل المفاهيم الدينية والخلاصية إلى قلب الصراعات العسكرية الكبرى، ولا سيما في حالة التوتر الدائم بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التحول ينقل الصراع من أفق السياسة العقلانية القائمة على المصالح إلى أفق الميتافيزيقا الوظيفية التي تستدعي المقدس لتحصين الفعل السياسي من المساءلة البشرية.

إن استدعاء الخطاب الديني في سياق الحرب لا يهدف إلى إرساء قيم السلام، بل يعمل كبنية خطابية تبريرية تجعل من القرارات الاستراتيجية نبوءات أو معجزات. وعندما تُغلف الحرب بهذا الطابع الإلهي، فإنها تفقد صبغتها كفعل بشري خاضع للنقد، وتتحول إلى أداة تفرغ العقل السياسي من قدرته على المراجعة والتقييم الموضوعي.

يعيد هذا التوجه تنشيط منطق 'العدو الوجودي' كما نظّر له كارل شميت، حيث لا يعود الخصم طرفاً في نزاع يمكن تسويته عبر التفاوض والدبلوماسية. بدلاً من ذلك، يتخذ الخصم صورة تهديد مطلق وشامل ينبغي استئصاله، مما يرفع مستوى المواجهة من خلاف سياسي إلى صراع لاهوتي وجودي لا يقبل الحلول الوسط.

تكمن الخطورة القصوى في تحويل الحرب إلى 'طقس خلاصي'، حيث تتعطل لغة السياسة ويُعاد تعريفها من داخل أفق ديني مغلق يرى في التفاوض خيانة للإرادة الإلهية. في هذه اللحظة، تتحول السلطة من فاعل سياسي مطالب بالتبرير أمام الجمهور إلى وسيط يتحدث باسم السماء، مما يمنحها حصانة مطلقة ضد أي اعتراض.

يؤدي هذا اللاهوت الحربي إلى إعادة تشكيل الزمن السياسي نفسه، فبدلاً من التاريخ المفتوح على الاحتمالات والتغيير، يتم إقحام النزاع في زمن 'اسكاتولوجي' مغلق. يُقرأ الصراع هنا بوصفه فصلاً حتمياً من فصول النهاية الكبرى، مما يحول المستقبل من مجال للفعل الإنساني الحر إلى تحقق جبري لنبوءات مسبقة.

إن الانتقال من التاريخ إلى الميثولوجيا لا يكتفي بإلغاء فرص السلام، بل يعطل شرط الحرية الإنسانية في صنع المسارات السياسية. يصبح الفاعل السياسي في هذا الإطار مجرد منفذ لقدر مكتوب سلفاً، مما يغلق الباب أمام أي مبادرات دبلوماسية قد تسعى لتغيير مسار الأحداث أو تجنب المواجهات الدامية.

تعتمد هذه الآلية الخطابية على استراتيجية مزدوجة تتمثل في تجريد الخصم من إنسانيته ورفع الفاعل السياسي إلى مرتبة الوكيل المقدس. حين يتم تصوير الطرف الآخر كجسد للشر المحض، يختفي ككيان تاريخي له مصالح وسياقات، ويصبح موضوعاً للإبادة أو الإخضاع القسري دون أي اعتبارات أخلاقية.

في هذا السياق، تنهار الأخلاق الكونية التي دافع عنها فلاسفة مثل إيمانويل كانط، لتحل محلها أخلاق فئوية ضيقة ترى الحق في الذات فقط والإلغاء في الآخر. هذا المنطق يشرعن استخدام القوة المفرطة طالما أنها تخدم 'الخير المطلق' الذي تدعي السلطة تمثيله في مواجهة 'الشر المطلق' المتمثل في العدو.

تجلت هذه النزعة بوضوح في تصريحات سياسية أمريكية سابقة، حيث وصفت مصادر رسمية عمليات عسكرية ضد أهداف إيرانية بأنها 'معجزة فصحية'. هذا الربط بين الخلاص المسيحي والفعل العسكري الصرف يضفي طابعاً استثنائياً على الحرب، وينزع عنها صبغتها السياسية الواقعية ليجعلها جزءاً من تدبير إلهي.

إن استخدام عبارات ذات حمولة دينية مثل 'الحمد لله' في سياق التهديدات العسكرية المباشرة، يعكس رغبة في تأطير الصراع ضمن تقابل مطلق بين الخير والشر. هذا التأطير يرفع القرار السياسي من مجال التبرير العقلاني إلى أفق يتعالى على النقد، ويحول الحرب إلى مواجهة ذات معنى خلاصي تتجاوز حدود المصالح.

لا ينبغي لنقد هذا اللاهوت الحربي أن ينزلق إلى وهم 'نقاء السياسة' المطلق، فالمشكلة ليست في وجود قيم ثقافية أو دينية خلف الفعل السياسي. الخطر الحقيقي يكمن في تحول هذه القيم إلى 'جهاز إغلاق' يمنع التداول الديمقراطي ويعطل أدوات النقد، مدعياً لنفسه مرجعية متعالية لا تقبل الجدل.

يكشف هذا التداخل بين الدين والسياسة عن أزمة مزدوجة؛ أزمة في الدين حين يُفرغ من أبعاده الأخلاقية ليصبح وقوداً للتعبئة، وأزمة في السياسة حين تعجز عن تبرير نفسها عقلانياً. هذا الاستعمار المتبادل بين المجالين لا ينتج قوة حقيقية، بل يعبر عن هشاشة داخلية يحاول كل طرف تعويضها باللجوء إلى الآخر.

إن استعادة العقل السياسي تتطلب إعادة تحديد موقع الدين بوصفه أفقاً أخلاقياً ملهماً، لا أداة سيادية لتبرير العنف. السياسة، لكي تظل ممكنة وفعالة، تحتاج إلى فضاء مشترك يعترف بالاختلاف وقابلية التفاوض، بعيداً عن احتكار الحقيقة المطلقة التي تفرضها الخطابات اللاهوتية الحربية.

في الختام، يظل تفكيك هذا النمط من الخطاب شرطاً أساسياً لفتح المجال أمام سياسة تعترف بحدودها البشرية وتخضع للمراجعة الدائمة. إن حماية الفضاء العام من 'السماء المصنوعة على مقاس القوة' هو السبيل الوحيد لضمان عدم تحول النزاعات السياسية إلى حروب إبادة مقدسة لا تبقي ولا تذر.

دلالات

شارك برأيك

تفكيك اللاهوت الحربي: عندما يتحول الصراع السياسي إلى 'مهمة إلهية'

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.