استعرض المحلل العسكري ألون بن دافيد في صحيفة معاريف الجذور التاريخية لأسلوب الرئيس الأمريكي ترامب في إدارة الأزمات، مشبهاً اعتماده الحالي على الجيش الأمريكي بأسلوبه القديم في مانهاتن حين كان يعتمد على المحامي الشرس روي كوهن. ويرى الكاتب أن ترامب يسعى دائماً لتحقيق نصر مطلق يؤدي لاستسلام الطرف الآخر، دون البحث عن حلول وسط تضمن ربح الجميع.
يشير التحليل إلى أن ترامب يواجه اليوم خصماً يختلف جذرياً عن رجال المافيا أو أباطرة العقارات الذين اعتاد مواجهتهم في نيويورك وأتلانتيك سيتي. فالإيرانيون، بوصفهم أبناء حضارة ضاربة في القدم، يمتلكون رؤية استراتيجية مغايرة لمفاهيم الوقت والنصر، وهو ما مكنهم من استيعاب الضربات العسكرية والوقوف على أقدامهم مجدداً رغم القصف المستمر.
أثبتت المواجهة الحالية أن طهران تمتلك سلاحاً استراتيجياً لا يقل خطورة عن القنبلة النووية، وهو القدرة على إغلاق مضيق هرمز الحيوي. هذا التهديد يضع العالم بأسره في حالة ألم اقتصادي، ويجعل من الصعب على واشنطن انتزاع هذا السلاح دون الانخراط في مواجهة بحرية واسعة النطاق تتطلب إمكانيات تشبه تلك التي استُخدمت في الحرب العالمية الثانية.
إن سيطرة إيران على الممرات المائية سحبت البساط من تحت أي محاولة أمريكية لإنهاء الحرب بقرار أحادي الجانب لوقف إطلاق النار. ففي حال توقف القتال دون اتفاق شامل، تستطيع طهران إبقاء المضيق مغلقاً لفرض شروطها الخاصة، مما يضعها في موقف تفاوضي قوي أمام أي مبادرة دبلوماسية قادمة من البيت الأبيض.
يجد ترامب نفسه اليوم أمام خيارات أحلاها مر، فإما أن يسلك مسار المصالحة وإرضاء الإيرانيين لضمان فتح المضيق، وهو ما قد يضر بصورته السياسية وإرثه كرجل قوي. والخيار الثاني هو اللجوء إلى قوة عسكرية غير متناظرة أو حتى غير تقليدية في محاولة لتركيع النظام، وهو مسار محفوف بالمخاطر والتكاليف الباهظة.
من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن أي سيناريو ينتهي باتفاق بين واشنطن وطهران يُعد نتيجة كارثية، لأنه يعني بالضرورة شرعنة بقاء النظام وضخ السيولة المالية في خزائنه. هذا الأمر سيسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها العسكرية التي تضررت، مما سيجبر إسرائيل على مواجهتها مجدداً في المستقبل القريب بظروف قد تكون أقل ملاءمة.
إيران ليست أرباب عقارات مانهاتن، بل حضارة ابنة 3 آلاف سنة لها مفاهيم مختلفة عن الزمن والنصر.
تتزايد المخاوف في تل أبيب من فقدان حرية العمل العسكري التي تتمتع بها حالياً في ظل إدارة ترامب، خاصة وأن الحروب السابقة كانت تنتهي بضغوط دولية تؤثر على النتائج النهائية. لكن في هذه الحرب، يبدو أن القرار النهائي بات محصوراً في يد ترامب وحده، الذي يرى في الصراع الحالي معركة شخصية تتعلق بذاته وإرثه السياسي.
رغم أن ترامب يستمع جيداً لنتنياهو، إلا أن التحليل يحذر من أن تأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي على قرارات البيت الأبيض يبقى محدوداً في نهاية المطاف. فالرئيس الأمريكي لن يتردد في تحميل نتنياهو مسؤولية جر الولايات المتحدة إلى حرب غير مجدية إذا شعر أن ذلك يخدم مصالحه السياسية الداخلية أو يحمي صورته أمام الناخبين.
تبرز قضية اليورانيوم المخصب كأحد الأهداف الاستراتيجية التي قد يسعى ترامب لتحقيقها لإعلان النصر، حيث تمتلك إيران نحو 440 كيلوغراماً موزعة على مواقع في أصفهان وبوردو ونطنز. وإذا نجحت عملية عسكرية في تدمير أو نزع نصف هذه الكمية، فقد يعتبرها ترامب إنجازاً كافياً للانسحاب من المواجهة المباشرة أو الانتقال لمفاوضات من موقع قوة.
إن تدمير القدرات النووية، حتى لو كان جزئياً، لن يؤدي بالضرورة إلى سقوط النظام الإيراني أو إعادة فتح مضيق هرمز بشكل تلقائي. ومع ذلك، يرى المحللون أن مثل هذا الإنجاز قد يمنح الإدارة الأمريكية الذريعة اللازمة لمواصلة الحرب بوسائل اقتصادية وسياسية أخرى تهدف في النهاية إلى تغيير سلوك النظام أو إضعافه بنيوياً.
في نهاية المطاف، تبدو الساحة الإقليمية أمام مخاض عسير تتداخل فيه طموحات القوى العظمى مع صمود القوى الإقليمية. وبينما تترقب إسرائيل نتائج هذه المواجهة، يبقى التساؤل حول قدرة ترامب على موازنة رغبته في النصر السريع مع تعقيدات حضارة لا تقيس النجاح بمعايير الصفقات العقارية العابرة.





شارك برأيك
تحليل عبري: ترامب يواجه حضارة فارسية لا تخضع لمنطق صفقات العقارات