تشهد المنطقة حالياً مواجهة شاملة تنخرط فيها قوى دولية وإقليمية، وهي حرب تترك آثاراً عميقة على التوازنات العالمية. ومن الضروري إدراك أن هذا الصراع لا ينفصل عن سياقه التاريخي الطويل، إذ لا يمكن اختزاله في أحداث 'طوفان الأقصى' أو جبهات الإسناد المستجدة، بل هو حلقة في سلسلة ممتدة من المواجهات الاستراتيجية.
إن الجذور الحقيقية لهذه الحرب تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين بدأت الاستهدافات الممنهجة للسلطنة العثمانية. تلك المرحلة مهدت الطريق لسقوط الخلافة وإعلان وعد بلفور، الذي جاء كاستجابة بريطانية للمطامع الصهيونية بعد صمود السلطان عبد الحميد الثاني أمام ضغوط الهجرة اليهودية.
استغلت القوى الاستعمارية، وتحديداً فرنسا وبريطانيا، بعض الثغرات في إدارة السلطنة العثمانية لتقديم وعود زائفة للعرب بإقامة دولة موحدة. وبدلاً من نيل الاستقلال، وجد العرب أنفسهم أمام واقع تقسيم 'سايكس بيكو' الذي فتت المنطقة إلى دويلات متناحرة، مما سهل زراعة الكيان الصهيوني في قلب فلسطين.
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دخل الصراع مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع المشروع الأمريكي-الصهيوني. فقد تبنت طهران استراتيجية واضحة بدعم الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة، مما جعلها هدفاً دائماً للعقوبات والمؤامرات الغربية التي تسعى لتقويض هذا الدور الإقليمي.
تؤكد القراءات السياسية أن استهداف إيران وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين لا يرتبط فقط بالملف النووي أو الشعارات السياسية. الهدف الجوهري هو كسر إرادة الرفض للاحتلال، ومنع تشكيل أي قوة إقليمية قادرة على تهديد المصالح الغربية أو التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة.
في هذا السياق، تبرز أهمية التوثيق التاريخي لفهم طبيعة العدو، كما ورد في كتاب 'إسرائيل حقائق البداية وأعراض النهاية' للكاتب كامل فاعور. يستعرض الكتاب كيف أن فكرة الكيان بدأت منذ حملة نابليون بونابرت على عكا، بهدف منع الوحدة بين مصر وبلاد الشام.
يوضح فاعور في دراسته أن الكيان الصهيوني صُمم ليكون قاعدة عسكرية متقدمة للغرب، تضمن بقاء المنطقة في حالة من التشرذم والضعف. ويتضمن الكتاب وثائق هامة حول تعاون الحركة الصهيونية مع التيارات 'الإنجيلية الصهيونية' في بريطانيا لتثبيت أركان هذا المشروع الاستعماري.
الصراع الدولي والإقليمي لم يبدأ في السابع من أكتوبر، بل هو استمرار لحرب بدأت على السلطنة العثمانية لتمهيد الطريق لإقامة الكيان الصهيوني.
وعلى صعيد آخر، يقدم كتاب 'الكيان بعيون استخباراته' للكاتب سلطان سليمان رؤية معمقة للداخل الإسرائيلي من خلال ترجمة أعمال توثق تاريخ الاغتيالات. الكتاب يكشف النقاب عن العمليات السرية التي نفذتها العصابات الصهيونية ثم أجهزة الاستخبارات الرسمية ضد القادة العرب والفلسطينيين.
يتتبع الكتاب تاريخ القتل الممنهج منذ فترة الانتداب البريطاني وصولاً إلى محاولات اغتيال قادة المقاومة المعاصرين مثل خالد مشعل وغيره. هذه التفاصيل تظهر أن الاغتيال هو عقيدة ثابتة في السلوك الإسرائيلي لضرب أي محاولة للنهوض أو المقاومة في العالم العربي.
إن الربط بين هذه المعطيات التاريخية والواقع الحالي يكشف أن المعركة هي صراع وجودي حول من يسيطر على ثروات المنطقة ومقدراتها. فالولايات المتحدة تسعى جاهدة لحماية 'إسرائيل الكبرى' وتعزيز هيمنتها المطلقة، مستغلة الانقسامات الداخلية التي تضعف الموقف العربي والإسلامي الموحد.
أفادت مصادر تحليلية بأن ما يجري اليوم في غزة ولبنان هو ذروة هذا الصراع التاريخي، حيث تحاول إسرائيل استعادة هيبتها الردعية التي تآكلت. وتعتبر هذه المصادر أن الدعم اللوجستي والعسكري الأمريكي المفتوح هو تأكيد على أن الكيان لا يزال يؤدي وظيفته كذراع للاستعمار الحديث.
تكمن خطورة المرحلة الراهنة في محاولة فرض واقع سياسي جديد يتجاوز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. ومن هنا تبرز أهمية الوعي الشعبي بضرورة تجاوز الخلافات المذهبية والحزبية الضيقة، والتركيز على التهديد الوجودي الذي يمثله المشروع الصهيوني على الجميع دون استثناء.
إن الصراع الذي نعيشه اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات بدأت منذ أكثر من قرن من الزمان. وفهم هذه الجذور هو السبيل الوحيد لبناء استراتيجية مواجهة فعالة قادرة على إفشال مخططات الهيمنة والتقسيم التي تستهدف المنطقة بأكملها.
في الختام، تظل فلسطين هي المحور والبوصلة التي تحدد مسارات الصراع في الشرق الأوسط، وكل محاولات تصفية القضية عبر الحروب أو الاتفاقيات الهشة ستصطدم دائماً بحقيقة التاريخ وإرادة المقاومة التي لا تنكسر مهما بلغت التضحيات.





شارك برأيك
من العثمانية إلى الجمهورية الإسلامية: فلسطين بوصلة الصراع الإقليمي والدولي