مع دخول المواجهة العسكرية بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران شهرها الثاني، يتضح أن الرهانات على 'حرب خاطفة' قد سقطت أمام واقع ميداني معقد. لم تنجح الضربات الجوية المكثفة في شل القدرات الصاروخية الإيرانية، بل تحول المشهد إلى ما يمكن وصفه بـ 'الحرب بلا مركز' التي تتداخل فيها الجبهات وتتساقط فيها الخطوط الحمراء.
أثبتت الوقائع الميدانية كفاءة الردع المتبادل، حيث أظهرت طهران مرونة عسكرية عبر إطلاق رشقات صاروخية باليستية وطائرات مسيرة انقضاضية. وقد تمكنت هذه الوسائل من اختراق منظومات الدفاع الجوي المتطورة والوصول إلى أهداف استراتيجية وحساسة، من بينها منشآت في ديمونة وبئر السبع.
انتقل الصراع من نمطه التقليدي إلى 'نمط شبكي' عابر للحدود، حيث باتت القواعد الأمريكية والممرات المائية الحيوية في دائرة الاستهداف المباشر. هذا التحول يعني أن أي تصعيد في نقطة جغرافية معينة قد يشعل حريقاً في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات، مما يجعل السيطرة على التصعيد أمراً شبه مستحيل.
تشير القراءات السياسية إلى أن الأهداف المعلنة للحرب بدأت تتدحرج من تقويض البرنامج النووي إلى محاولة تغيير النظام أو تقليص نفوذه الإقليمي بالكامل. وتسعى واشنطن وتل أبيب من خلال هذه الاستراتيجية إلى فرض هيمنة أمنية مطلقة تمتد لعقود قادمة عبر كسر شبكة تحالفات طهران في المنطقة.
تعتمد الاستراتيجية المشتركة للمحور المهاجم على تصفية الفائض من القوة الإقليمية الإيرانية وإخراجها من الصراع مثخنة بالجراح. كما تهدف الضغوط الحالية إلى إجبار الدول العربية على التخلي عن 'الحياد الإيجابي' والانخراط المباشر في المجهود الحربي كأطراف داعمة.
يبرز خطر 'الفوضى المدارة' كبديل عن الحسم العسكري المتعذر، حيث يتم إبقاء المنطقة في حالة غليان مستمر لاستنزاف طاقات الجميع. هذا السيناريو يضمن بقاء الحاجة للمظلة الأمنية الأمريكية ويوفر غطاءً لإعادة رسم مسالك الطاقة والخرائط الاقتصادية العالمية.
يتمثل الفخ الحقيقي للدول العربية في تحويل جغرافيتها إلى ساحات لتصفية الحسابات وصناديق بريد للرسائل العسكرية المتبادلة. إن فتح الأجواء أو استخدام القواعد العسكرية يضع السيادة العربية على المحك ويجعل البنية التحتية أهدافاً مشروعة في حسابات الرد المقابل.
إن المنطقة تقف أمام محاولة هندسة أمريكية-إسرائيلية مكشوفة لإعادة رسم خرائط النفوذ على وقع طبول المواجهة الشاملة.
يواجه الاقتصاد الإقليمي نزيفاً ممنهجاً جراء استمرار تهديد منشآت الطاقة وناقلات النفط في الخليج العربي. هذه الأزمات تضرب مشروعات التنمية في مقتل، وتعيد توجيه الميزانيات نحو التسلح والدفاع بدلاً من الرفاه والازدهار الاقتصادي الذي تحقق عبر عقود.
يُفرض على العواصم العربية مأزق استقطاب حاد يخيرها بين الانخراط في المحور الأمريكي الإسرائيلي أو الصمت الذي قد يُفسر كرضوخ. هذا التخيير القسري يسلب الدول العربية قدرتها على المناورة وبناء شراكات استراتيجية متعددة الأقطاب تحمي مصالحها الوطنية.
لتجنب هذا المنزلق، تبرز الحاجة إلى تمسك صارم بمبدأ 'الحياد السيادي'، ورفض استخدام الأراضي أو الأجواء العربية منطلقاً لأي أعمال عسكرية. إن هذا الموقف يعد دفاعاً أصيلاً عن الأمن القومي العربي وليس انحيازاً لأي طرف من أطراف النزاع.
يعد دعم المسارات الدبلوماسية المستقلة، مثل التحرك الرباعي الذي ضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خطوة ضرورية لانتزاع زمام المبادرة. يجب تشكيل جبهة إقليمية تضغط لفرض وقف إطلاق نار فوري ومنع انفراد واشنطن بقرار الحرب والسلم في المنطقة.
يتطلب التحصين الاقتصادي تفعيل خطط طوارئ تتجاوز مراقبة أسعار الطاقة إلى تأمين ممرات تجارية بديلة وتعزيز التكامل البيني. إن تقليل الاعتماد على الأسواق العالمية المضطربة يمنح القرار السياسي العربي استقلالية أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية.
الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، بما في ذلك طهران وواشنطن، يعد أداة حيوية لتجنب المفاجآت الكارثية. هذه الدبلوماسية المرنة تمنح العواصم العربية القدرة على الوساطة وفهم النوايا الحقيقية للقوى المتصارعة في اللحظات الحرجة.
في الختام، يجب على الدول العربية صياغة رؤية واضحة لـ 'اليوم التالي' للحرب لضمان عدم فرض خرائط نفوذ خارجية جديدة. إن الاستقرار المستدام لن يتحقق عبر المغامرات العسكرية، بل من خلال إرادة إقليمية ترفض أن تكون وقوداً لحروب الآخرين.





شارك برأيك
سيناريوهات المواجهة الشاملة: كيف تتجنب العواصم العربية فخ 'المحرقة الكبرى'؟