كشفت تقارير صحفية دولية عن اقتراب أزمة حادة في وقود الطائرات داخل المملكة المتحدة والقارة الأوروبية، حيث من المتوقع وصول آخر شحنة معروفة من الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة القادمة. وتأتي هذه التطورات كنتيجة مباشرة للتصعيد العسكري في المنطقة وتأثيراته على خطوط الملاحة الدولية، مما يضع شركات الطيران والمسافرين أمام تحديات لوجستية معقدة.
ومن المقرر أن تصل السفينة 'مايتيغا' التي ترفع العلم الليبي إلى الشواطئ البريطانية يوم الخميس المقبل قادمة من السعودية، لتكون آخر الشحنات المرئية في المدى المنظور. وأكد مزودو بيانات ملاحية أنه لا توجد أي ناقلات أخرى في طريقها إلى المملكة المتحدة من منطقة الخليج حالياً، وذلك بسبب الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي.
وتعتمد بريطانيا في الأشهر الأخيرة على الشرق الأوسط لتأمين ما لا يقل عن نصف احتياجاتها من وقود الطائرات، خاصة بعد قرارها الابتعاد عن الإمدادات الروسية إثر الحرب في أوكرانيا. هذا الاعتماد المتزايد، تزامناً مع تراجع قدرات التكرير المحلية، جعل السوق البريطانية والأوروبية أكثر عرضة للصدمات الناتجة عن اضطرابات الملاحة في الممرات المائية الحيوية.
وعلى الرغم من التطمينات الحكومية التي دعت المواطنين لمواصلة حجز عطلاتهم الصيفية بشكل طبيعي، إلا أن مسؤولي قطاع الطاقة يحذرون من فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. ويرى خبراء أن استمرار قيود الإمداد سيؤدي حتماً إلى نقص ملموس يبدأ تأثيره بالظهور على عمليات شركات الطيران بحلول نهاية شهر نيسان/أبريل الجاري.
وفي هذا السياق، أشار جانيف شاه، نائب رئيس أسواق النفط في شركة 'رسيتاد إنيرجي'، إلى أن نقص الوقود بات وشيكاً في عدة دول أوروبية. وأوضح أن الارتفاع الكبير في التكاليف سيتغلغل في كافة مراحل سلسلة التوريد، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة أسعار التذاكر وتحمل المسافرين للأعباء المالية الإضافية.
ووصف مديرون في قطاع الوقود الوضع الحالي بـ 'الفوضى الكبيرة'، حيث قفزت الأسعار القياسية لوقود الطائرات في شمال غرب أوروبا لتصل إلى 1744 دولاراً للطن الواحد. ويمثل هذا الرقم ضعف المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع التوترات الأخيرة، مما يعكس حجم الضغط الاقتصادي على قطاع النقل الجوي.
وتشير البيانات التاريخية إلى أن المتوسط المعتاد كان يتضمن وجود ثماني شحنات من وقود الطائرات في طريقها من الشرق الأوسط إلى بريطانيا في أي وقت. أما اليوم، فإن انخفاض هذا العدد إلى شحنة واحدة فقط يعيد للأذهان أزمات الإمداد التي حدثت في عام 2021، ولكن في سياق جيوسياسي أكثر تعقيداً.
الفهم السائد في السوق هو أن نقص الوقود ليس بعيداً في بعض الدول، والأسعار المرتفعة ستتسرب عبر سلسلة التوريد بأكملها وسيشعر بها الجميع.
وتعتبر القارة الأوروبية بشكل عام من أكبر المتضررين، حيث يمر نحو 40% من وارداتها من وقود الطائرات عبر مضيق هرمز الذي يواجه إغلاقاً شبه تام. وبينما تتلقى بريطانيا إمداداتها مباشرة، تعتمد دول أخرى مثل هولندا وبلجيكا على مسارات غير مباشرة، مما يجعلهما في وضع مشابه من حيث مخاطر نقص المخزون.
ويرى لارس فان فاغنينغن، مدير الأبحاث في 'أنساتيس غلوبال' أن التجار سيسعون جاهدين لإعادة توجيه الشحنات المخصصة لوجهات أخرى نحو السوق البريطانية لتخفيف الأزمة. ومن المتوقع أن يتجه المشترون الأوروبيون بشكل مكثف نحو مصافي التكرير في غرب أفريقيا والولايات المتحدة لتعويض العجز الناتج عن توقف إمدادات الخليج.
وبالفعل، بدأت بعض التحركات اللوجستية بالظهور، حيث وصلت شحنة وقود من نيجيريا إلى ميناء ميلفورد هافن البريطاني مطلع الأسبوع الحالي. ويرى مراقبون أن النظام العالمي للطاقة لا يتوقف تماماً، بل يعيد ترتيب نفسه من خلال تغيير المسارات وتعديل الأسعار لتتناسب مع الواقع الجديد للمخاطر الأمنية.
وتشهد الموانئ التي لا تقع ضمن منطقة النزاع المباشر، مثل ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، منافسة متزايدة يوماً بعد يوم للحصول على شحنات الوقود. وبما أن هذا الميناء لا يتطلب المرور عبر مضيق هرمز، فقد أصبح وجهة مفضلة للدول الساعية لتأمين احتياجاتها بعيداً عن مناطق التوتر العسكري المباشر.
وأكد محللون اقتصاديون أن الجهات والشركات القادرة على دفع مبالغ أعلى ستكون لها الأولوية في الحصول على الإمدادات البديلة من الأسواق العالمية. وقد لوحظت زيادة فعلية في صادرات وقود الطائرات من الولايات المتحدة باتجاه أوروبا والمملكة المتحدة خلال الأسابيع القليلة الماضية لسد الفجوة المتسعة.
يُذكر أن الواردات الروسية كانت تغطي نحو 5% من الطلب البريطاني قبل الأزمة الأوكرانية، وهو ما زاد من الضغط على البدائل الأخرى عند توقفها. وتجد المطارات البريطانية نفسها الآن في وضع حرج، حيث تعتمد بشكل أساسي على الموردين الخارجيين رغم احتفاظ بعضها بمخزونات احتياطية محدودة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى قطاع الطيران الأوروبي رهينة للتطورات الميدانية في الشرق الأوسط وقدرة الممرات البديلة على تلبية الطلب المتزايد. ومع استمرار إغلاق المضائق الحيوية، تظل احتمالات حدوث اضطرابات في جداول الرحلات الجوية قائمة بقوة خلال الموسم الصيفي المقبل.





شارك برأيك
أزمة وقود الطائرات تلوح في أفق أوروبا مع توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز