تشهد المنطقة العربية حالة من الضجيج الإعلامي والتحليلات المتضاربة حول المواجهة الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. ومع ذلك، يلاحظ غياب مستوى الذعر الحقيقي تجاه العدوان الوحشي الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية واللبنانية، حيث تُرتكب جرائم إبادة جماعية بعيداً عن أي حزم عربي فعلي.
يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى فرض واقع جديد عبر تغيير العقيدة الأمنية لكيانه، ملوحاً باحتلال أراضٍ عربية إضافية في جنوب لبنان وسوريا وفلسطين. هذا التوجه يأتي في ظل تقويض شامل لأمن المنطقة، واستغلال المظلة الأمريكية للسيطرة الكاملة على المقدسات الإسلامية والمسيحية وتغيير الأمر الواقع بقوة السلاح.
لم تتوقف انتهاكات الاحتلال عند حدود العمليات العسكرية، بل امتدت لتشمل إغلاق المسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه، فضلاً عن حظر الصلاة في الكنائس خلال الأعياد المسيحية. تتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد وتيرة تهجير المقدسيين وهدم منازلهم، في محاولة واضحة لتصفية الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة.
إن الذرائع التي يسوقها الاحتلال لتبرير عدوانه ليست وليدة الصراع الحالي مع طهران، بل هي امتداد لعقود من السياسات التوسعية التي سبقت قيام الجمهورية الإيرانية. لقد تحولت إسرائيل بمرور الوقت من كيان منبوذ في الوجدان العربي إلى طرف يجد قبولاً ضمنياً، مما أدى إلى انكشاف الأمن القومي العربي بشكل غير مسبوق.
تشير القراءات السياسية إلى أن أي تغير في نظام الحكم الإيراني أو هزيمة طهران لن يغير من جوهر الأطماع الإسرائيلية في المنطقة. فالمهمة الأمريكية الإسرائيلية مستمرة في استيلاد أوهام عدائية جديدة للعرب، بهدف تشتيت إمكانياتهم بعيداً عن العدو الأساسي الذي يستهدف أرضهم ونفطهم وسيادتهم.
تتجلى العقلية العدوانية في تصريحات القادة الأمريكيين، وعلى رأسهم دونالد ترامب، الذي يتحدث بسخرية واستعلاء عن القيادات العربية. هذه المواقف ليست مجرد زلات لسان، بل هي ترجمة لطمع لا نهائي في ثروات المنطقة واستخفاف بالسيادة الوطنية للدول العربية التي تراهن على الحماية الخارجية.
نجحت إسرائيل، بدعم أمريكي مطلق، في استثمار الخلافات العربية البينية لتعزيز سرديتها الصهيونية وجعلها تتصدر جداول أعمال الاجتماعات الرسمية. واليوم، يمثل التوغل في لبنان وسوريا دليلاً فادحاً على فشل المنظومة العربية في التصدي للجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني منذ عقود.
إسرائيل تحولت من جسم مرفوض في المنطقة العربية إلى جسد مقبول أن يتعرى أمامه الأمن العربي كله تحت وطأة الأوهام الجديدة.
يراهن نتنياهو اليوم على قدرة إسرائيل في إحداث تغيير نوعي في الشرق الأوسط، مستنداً إلى محاور إقليمية جديدة تمنحه الكلمة الأولى في رسم الخرائط الجيوسياسية. هذا الرهان يعتمد بشكل أساسي على إضعاف الجبهات العربية وتفكيك الروابط التي كانت تجمعها حول القضية المركزية.
لقد أفلحت الإدارة الأمريكية في إزاحة القضية الفلسطينية عن تصنيفها كقضية مركزية للعرب، عبر تحويل بوصلة العداء بالكامل نحو إيران. هذا التحول الاستراتيجي سمح للاحتلال بالاستفراد بغزة والقدس والضفة الغربية، مع ضمان صمت أو عجز الأطراف الإقليمية المؤثرة.
تصر إدارة ترامب على المضي قدماً في مسيرة التطبيع، حتى في ظل تصاعد عمليات السحق والتوسع الصهيوني. الهدف النهائي لهذه السياسة هو إسقاط رمزية الكيان الفلسطيني، سواء كمؤسسات أو سلطة، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان.
خلال ثمانية عقود، كان الغضب العربي هو المحرك الأساسي للبيانات والمواقف السياسية، لكن هذه الظاهرة تلاشت تدريجياً لصالح ما يسمى بـ'الواقعية'. هذه الواقعية أدت إلى اختلال المعايير وسقوط البديهيات الأخلاقية والسياسية المرتبطة بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية.
إن استنفاد عوامل الغضب العربي تجاه جرائم الاحتلال يستوجب مراجعة سياسية شاملة لسنوات من الرهان الواهم على الوعود الأمريكية. فالنظام العربي اليوم مطالب بلجم الضغط والاستعلاء الأمريكي الذي يحتقر الشعوب وسيادتها، بدلاً من انتظار 'نصر' زائف تتسيد فيه إسرائيل المنطقة.
تسعى إسرائيل وأمريكا لتقسيم وتفتيت الطموحات العربية عبر نشر الخراب والفوضى، وليس من خلال الشعارات فقط. لم يعد في الجعبة العربية ما يواجه عاصفة الخوف من البطش الإسرائيلي، خاصة بعد استنزاف القوة والمصلحة في صراعات جانبية لا تخدم سوى المشروع الاستعماري.
في الختام، لن تجلب القوة العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية سلاماً أو رخاءً للمنطقة، بل ستظل صورتهما مرتبطة بالاستعمار والإبادة. كما أن الرهان على القوى الإقليمية الأخرى لن يغني عن ضرورة استعادة العرب لقرارهم المستقل وحماية أمنهم القومي من التفتت والتبعية.





شارك برأيك
تآكل الغضب العربي: كيف تستغل إسرائيل 'الوهم الإيراني' لإعادة رسم خرائط المنطقة؟