توقفت تقارير إعلامية دولية عند التحول اللافت في السياسة المالية الجزائرية، بعد عقود من الرفض القاطع للجوء إلى الاستدانة الخارجية. ويأتي هذا التوجه الجديد في ظل سعي السلطات لتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة، تهدف إلى فك العزلة عن الجنوب الكبير وتحويله إلى قطب زراعي وصناعي واعد.
وتسلط الأضواء حالياً على مدينة المنيعة في قلب الصحراء، التي تتوفر على احتياطات هائلة من المياه الجوفية تؤهلها لتكون سلة غذاء وطنية. ولتحقيق هذا الهدف، تعمل الدولة على إنشاء محور حديدي يربط العاصمة بتمنراست، وهو مشروع استراتيجي يتطلب تمويلات ضخمة تتجاوز قدرة الميزانية المحلية وحدها في ظل تقلبات أسعار النفط.
وتشير المصادر إلى أن الجزائر تتفاوض للحصول على قرض يتجاوز 3 مليارات دولار من البنك الإفريقي للتنمية، وهو ما يمثل انعطافة في خطاب الرئيس عبد المجيد تبون. وكان الرئيس قد أكد في مناسبات سابقة أن المديونية الخارجية تمس بالسيادة الوطنية وتحد من حرية التحرك الدبلوماسي للدولة في القضايا الدولية الكبرى.
ويرى مراقبون أن هذا التحول ليس قطيعة مع المبادئ السابقة، بل هو 'تعديل براغماتي' يفرق بين قروض صندوق النقد الدولي المشروطة، وقروض البنوك التنموية. فالجزائر تعد مساهماً قوياً في البنك الإفريقي للتنمية، ومن حقها الاستفادة من مزايا التمويل المتاحة للأعضاء لتنفيذ مشاريع ذات مردودية اقتصادية عالية.
وتعد الجزائر حالياً من بين أقل دول العالم مديونية، حيث لم تتخط ديونها الخارجية سقف 11% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام الماضي. هذا المركز المالي القوي يمنحها هامش مناورة كبيراً للاقتراض بشروط ميسرة دون الوقوع في فخ التبعية للمؤسسات المالية الغربية التقليدية التي تفرض إصلاحات هيكلية قاسية.
وتعود الحساسية الجزائرية تجاه الدين الخارجي إلى تجربة التسعينيات المريرة، حين اضطرت البلاد لطلب مساعدة صندوق النقد الدولي إبان أزمة انهيار أسعار النفط. تلك الفترة شهدت فرض برامج تقشفية وخصخصة واسعة أدت إلى هزات اجتماعية عنيفة، وهو ما يسعى صناع القرار الحاليون لتجنب تكراره بأي ثمن.
وفي إطار تنويع مصادر التمويل، انضمت الجزائر رسمياً إلى بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة 'بريكس' بالتزام مالي قدره 1.5 مليار دولار. هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في بناء شراكات مالية مع تكتلات اقتصادية صاعدة توفر بدائل تمويلية أقل ارتباطاً بالمنظومة القطبية التقليدية وشروطها السياسية.
إذا اتجهنا إلى الاستدانة، فلن نتمكن من الحديث عن فلسطين ولا عن الصحراء الغربية، لأن ذلك سيجبرنا على الاصطفاف والصمت.
وتشير التقديرات إلى أن مشروع السكة الحديدية العابر للصحراء وحده يحتاج لاستثمارات تتراوح بين 17 و20 مليار دولار لضمان ربط فعال مع دول الجوار. هذا المشروع لا يخدم الاقتصاد المحلي فحسب، بل يعزز دور الجزائر كبوابة تجارية نحو العمق الإفريقي، وهو ما يبرر اللجوء لتمويلات خارجية 'منتجة'.
وعلى الرغم من الاعتماد الكبير على قطاع المحروقات الذي يمثل 90% من الصادرات، إلا أن هناك مؤشرات إيجابية على تحسن الأداء الاقتصادي خارج هذا القطاع. فقد تضاعفت الصادرات غير النفطية ثلاث مرات منذ عام 2017، لتصل إلى نحو 5.1 مليار دولار، مما يعزز قدرة الدولة على سداد التزاماتها المستقبلية.
وتسعى الحكومة من خلال قانون الاستثمار الجديد إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية عبر تقديم إعفاءات ضريبية وتسهيلات إدارية غير مسبوقة. وقد سجلت الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار آلاف المشاريع الجديدة، مما يشير إلى تحسن مناخ الأعمال رغم استمرار بعض التحديات البيروقراطية في النظام المصرفي.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الاقتراض من أجل البنية التحتية يندرج ضمن 'الدين المنتج' الذي يولد ثروة مستدامة على المدى الطويل. فخطوط السكك الحديدية والموانئ الجافة في الجنوب ستفتح آفاقاً واسعة للتبادل التجاري مع دول مثل النيجر وتشاد، مما يحول الجزائر إلى مركز لوجستي إقليمي.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن القرض المقترح من البنك الإفريقي يتميز بفترات سماح طويلة ونسب فائدة منخفضة، مما يجعله خياراً آمناً مقارنة بالتمويلات التجارية. كما أن الجزائر، بصفتها مساهماً رئيساً، تهدف من هذه الخطوة إلى تفعيل دورها في المؤسسات المالية القارية التي تساهم في تمويلها.
ويبقى الرهان الأساسي للسلطات هو الحفاظ على التوازن بين متطلبات التنمية السريعة والحفاظ على استقلال القرار السياسي. فالتحدي يكمن في ضمان أن توجه هذه القروض حصراً للمشاريع الاستراتيجية التي تساهم في تنويع الاقتصاد وتقليل التبعية للذهب الأسود الذي لا يزال يتحكم في مفاصل الميزانية.
ختاماً، يبدو أن الجزائر بدأت في صياغة عقيدة اقتصادية جديدة تتسم بالمرونة، حيث يتم التعامل مع الأدوات المالية الدولية كوسيلة للتطوير لا كقيد على السيادة. وإذا نجحت هذه التجربة في تمويل مشاريع الجنوب، فقد تشكل نموذجاً جديداً للدول النفطية الساعية للتحول الاقتصادي الآمن.





شارك برأيك
تحول في العقيدة المالية: هل تكسر الجزائر 'تابو' المديونية الخارجية لتمويل مشاريعها الكبرى؟