كشفت السجالات الإعلامية الأخيرة بين شخصيات نافذة في أبوظبي والقاهرة عن شرخ عميق في العلاقات الاستراتيجية التي ربطت البلدين لسنوات طويلة. ورغم الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات في منتصف مارس الجاري، إلا أن لغة العتاب الخليجية تحولت إلى هجوم علني يتهم القاهرة بالتقاعس عن أداء دورها القومي في حماية أمن الخليج.
بدأت شرارة الأزمة بتصريحات أدلى بها أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أشار فيها إلى وجود تباين بين الدول التي قدمت دعماً صادقاً وتلك التي اكتفت بالشعارات. واعتبر قرقاش أن وقت الشدائد يتطلب مواقف واضحة لا لبس فيها، مؤكداً أن بلاده قادرة على الصمود لكنها تحتاج لمعرفة من يمكن الاعتماد عليه فعلياً في الميدان.
ولم يتوقف الأمر عند التلميحات السياسية، بل امتد ليشمل انتقادات اقتصادية وأمنية لاذعة وجهها إعلاميون مقربون من دوائر صنع القرار في الإمارات. حيث اعتبر الصحفي هاني مسهور أن مصر أثبتت عجزها عن حماية مصالحها الحيوية بعد خسارتها مليارات الدولارات نتيجة عسكرة الحوثيين لمضيق باب المندب، واصفاً الدول التي لا تجرؤ على معاقبة المليشيات بأنها دول غير قادرة على حماية سيادتها.
من جانبه، شن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله هجوماً وصف فيه بعض القوى الإقليمية بـ 'الدول الهشة' التي تعيش أزمات داخلية خانقة وتفشل في الدفاع عن نفسها. ورفض عبد الله بشكل قاطع مقترحات مصرية لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، معتبراً أن دول الخليج لم تعد بحاجة لتحالفات ورقية لم ترَ النور منذ عقود، مفضلةً تعزيز شراكاتها الأمنية المباشرة مع واشنطن.
في المقابل، ردت أوساط سياسية مصرية بحذر ممزوج بالاستياء، حيث طالب باسل عادل، رئيس حزب الوعي، الجانب الإماراتي بالكف عن إثارة الفتن والتعلم من حكمة الدول الكبرى. وأكدت مصادر مصرية أن القاهرة تفضل العمل بصمت بعيداً عن ضجيج المنصات الاجتماعية، مشددة على أن خطوات الدولة المصرية دائماً ما تكون أعمق وأوسع من مجرد تصريحات إعلامية عابرة.
ويرى مراقبون أن هذا التوتر الوظيفي يعود إلى تباين الحسابات الاستراتيجية تجاه الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران التي اندلعت في فبراير الماضي. فبينما تنتظر الإمارات انخراطاً عسكرياً مصرياً مباشراً، تخشى القاهرة أن يؤدي أي صدام مسلح مع طهران إلى إغلاق كلي للملاحة في قناة السويس، مما سيعمق جراح اقتصادها المنهك أساساً.
وتشير التقارير إلى أن مصر تعاني من ضغوط اقتصادية هائلة، حيث تراجعت إيرادات قناة السويس بمعدل 800 مليون دولار شهرياً منذ بدء الاضطرابات في البحر الأحمر. هذا الوضع جعل صانع القرار في القاهرة يتحرك في منطقة وسطى، محاولاً الحفاظ على شعرة معاوية مع الحلفاء الخليجيين دون التورط في حرب استنزاف إقليمية لا يملك أدواتها المالية أو غطاءها الشعبي.
الدول الكبرى مثل مصر تفعل ولا تتحدث، وحكمتها أوسع من تجليات المدونين والمحللين.
وعلى الصعيد الإقليمي، زاد التعاون المصري السعودي في ملف اليمن من حنق أبوظبي، التي ترى في التقارب بين القاهرة والرياض بملفات الممرات البحرية تهديداً لنفوذها في جنوب اليمن. وتعتبر مصادر أن الإمارات باتت تقرأ أي تنسيق مصري سعودي خارج مظلتها بمثابة اختيار لتموضع سياسي جديد يبتعد عن الأجندة الإماراتية الخاصة في المنطقة.
ورغم حدة التصريحات، يستبعد خبراء حدوث قطيعة نهائية بين السيسي وابن زايد بسبب تداخل المصالح الاقتصادية البنيوية، وعلى رأسها مشروع 'رأس الحكمة'. فالاستثمارات الإماراتية الضخمة في مصر، والتي تجاوزت 35 مليار دولار، تعمل كصمام أمان يمنع انهيار التحالف بالكامل، لكنها قد تتحول إلى ورقة ضغط سياسي عبر إبطاء التنفيذ أو تشديد شروط التمويل.
وتواجه مصر حالياً اختباراً صعباً لشرعيتها الإقليمية داخل معسكر 'الثورات المضادة'، حيث بدأت تتحول من صفة 'الحليف المدلل' إلى 'الحليف المربك'. ومع استمرار الحرب وتصاعد المطالب الإيرانية بالسيادة على مضيق هرمز، تجد القاهرة نفسها مطالبة بدفع أثمان سياسية وعسكرية باهظة مقابل استمرار الدعم المالي الخليجي الذي اعتادت عليه منذ عام 2013.
وفي سياق متصل، تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الحرب الإقليمية أثرت على المنطقة بأكملها، حيث سجلت احتياطيات الذهب التركية تراجعاً حاداً، بينما نزفت الأسواق مبيعات ضخمة من العملات الأجنبية. هذه البيئة المضطربة تزيد من تعقيد الموقف المصري، حيث تسعى الحكومة لسداد متأخرات شركات النفط الأجنبية في ظل ارتفاع تكلفة الطاقة وتراجع الصادرات.
وزارة الإعلام المصرية حاولت تهدئة الأجواء عبر بيان أكدت فيه أن العلاقات العربية أسمى من أن يعكر صفوها 'هرج ومرج' على وسائل التواصل الاجتماعي. ودعت الوزارة إلى تغليب لغة العقل ووقف محاولات إثارة الفتنة، مشددة على رفضها للإساءات التي تصدر من بعض الكتاب العرب بحق الدولة المصرية ورموزها.
ويرى الباحث عصام حريرة أن العلاقة بين النظامين استراتيجية وأيديولوجية في جوهرها، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الإسلام السياسي، مما يجعل انهيارها الكامل أمراً مستبعداً. ومع ذلك، فإن الفتور الحالي يعكس إعادة تفاوض قاسية على 'ثمن التحالف'، حيث لم يعد الشيك الخليجي المفتوح متاحاً دون مقابل عسكري وأمني ملموس على الأرض.
ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية، حيث تلعب القاهرة لعبة 'شد الحبل' للحصول على مكاسب مرحلية. فبينما يشعر ابن زايد بالخذلان من غياب الدعم العسكري المصري، يراهن السيسي على أن ثقل مصر الإقليمي يجعلها 'أكبر من أن تُترك لتسقط'، مهما بلغت درجة التوتر مع الحلفاء.





شارك برأيك
تصدع في جدار التحالف: انتقادات إماراتية حادة لموقف القاهرة من المواجهة مع إيران