تترقب الأوساط السياسية الإقليمية والدولية الخطوات المقبلة للإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، وسط تساؤلات حول طبيعة التحركات المرتقبة تجاه الملف الإيراني. ومع ذلك، تشير القراءات الاستراتيجية إلى أن الثوابت الأمريكية لم تتغير جوهرياً، خاصة مع صدور وثيقة الأمن القومي (NSS 2025) التي أكدت رغبة واشنطن في الحفاظ على هيمنتها الدولية.
إن فهم التحركات الأمريكية الراهنة يتطلب العودة إلى الجذور التاريخية للتفكير الاستراتيجي في واشنطن، والذي لم يتشكل وليد اللحظة بل عبر تراكم طويل. وتقوم هذه الرؤية على إدارة منطقة الشرق الأوسط من خلال منع تماسك قواها البنيوية، وضمان عدم تحول أي قوة إقليمية إلى كتلة صلبة تتحدى النفوذ الخارجي.
لقد وضع هنري كيسنجر اللبنات الأولى لفكرة 'توازن القوى المُدار'، وهي المقاربة التي تضمن بقاء القوى الإقليمية ضمن حدود مرسومة لا تسمح بالهيمنة المطلقة. وتطورت هذه الأفكار لاحقاً مع أطروحات برنارد لويس التي قدمت مبررات جيوسياسية لإعادة رسم الهويات والحدود على أسس فرعية تخدم المصالح الأمريكية.
تظهر المواجهة الحالية مع طهران كاختبار عملي لعقيدة استراتيجية متجددة في أدواتها التكنولوجية لكنها ثابتة في أهدافها السياسية. وتعتمد واشنطن اليوم مبدأ 'السلام من خلال القوة'، حيث تهدف الضربات العسكرية المكثفة إلى إضعاف الخصم قبل الجلوس على طاولة المفاوضات لفرض شروط جديدة.
إن استهداف البنى التحتية والقدرات القيادية الإيرانية يعكس توجهاً نحو إدارة الصراع بالقوة المحسوبة بعيداً عن الحروب الشاملة. وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا النهج إلى صياغة معادلة ردع تضمن تفوقها دون الانزلاق إلى استنزاف طويل الأمد كما حدث في تجارب سابقة.
يبرز البعد الاقتصادي كركيزة أساسية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث يرتبط الأمن القومي ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي. وقد أعاد التوتر في مضيق هرمز تسليط الضوء على هشاشة نقاط الاختناق البحرية وقدرتها على هز استقرار الأسواق الدولية وتوليد موجات تضخمية عابرة للحدود.
تحاول واشنطن في استراتيجيتها الجديدة تفادي تكرار أخطاء التدخل العسكري المباشر في العراق وأفغانستان. وبدلاً من ذلك، تتبنى نمط 'القوة الحاسمة قصيرة الأمد' التي تعتمد على التفوق التكنولوجي والضربات الجراحية الدقيقة لتقليص الحاجة إلى الانخراط البري الواسع.
الاستراتيجية الأمريكية تنطلق من مبدأ السلام من خلال القوة، حيث تُستخدم الضربات العسكرية لإعادة صياغة شروط التفاوض وفرض معادلات ردع جديدة.
يعد مفهوم 'تقاسم الأعباء' مع الحلفاء الإقليميين جزءاً لا يتجزأ من هذه الرؤية، حيث تسعى واشنطن لتوزيع الأدوار العسكرية واللوجستية بما يخفف عنها الكلفة المادية والبشرية. ومع ذلك، تبرز تحديات تتعلق بتباين الأولويات بين واشنطن وحلفائها، مما قد يؤثر على سلاسة التنسيق الميداني والسياسي.
إن الهدف الأعمق من إضعاف النفوذ الإيراني يتجاوز مجرد الردع العسكري، ليصل إلى إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية للمنطقة برمتها. وترغب الولايات المتحدة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من التوازن الهش الذي يسهل إدارته والتحكم في مساراته بما يخدم مصالحها القومية العليا.
تشهد الحروب الراهنة تحولاً نوعياً مع دخول التقنيات الحديثة مثل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية كأدوات حسم أساسية. وتضع الاستراتيجية الأمريكية 'السيادة التكنولوجية' وتوظيف البيانات في صلب تنافسها العالمي، معتبرة إياها سلاحاً لا يقل أهمية عن الترسانة التقليدية.
رغم دقة التخطيط، فإن الانتقال من التنظير إلى التطبيق يكشف عن فجوات بنيوية ناتجة عن تعقيد الواقع الإقليمي وتداخل الجبهات. ففكرة 'الحرب المحدودة' قد تصطدم بواقع ميداني يدفع نحو توسع غير محسوب للصراع، مما يهدد الاستقرار المالي العالمي الذي تحرص واشنطن على حمايته.
تؤكد الدراسات الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط تظل مطلباً حيوياً للأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. وتستخدم هذه الدراسات كإطار لتبرير التدخلات المستمرة تحت غطاء الحفاظ على النظام الدولي ومنع ظهور أقطاب إقليمية مستقلة تماماً عن الإرادة الأمريكية.
إن الخيط الناظم للسياسة الأمريكية، من زمن كيسنجر وصولاً إلى عصر المسيّرات، يظل متمثلاً في تفكيك مراكز القوة وإعادة توزيعها. وهذا المسار التاريخي المستمر يهدف إلى ضمان بقاء المنطقة مجزأة وغير قادرة على تشكيل كتلة جيوسياسية موحدة قد تهدد المصالح الغربية في المستقبل.
في الختام، تمثل المواجهة الحالية تطبيقاً متقدماً لعقيدة واشنطن الجديدة التي تدمج بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتفوق التقني. ولكن يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذه الاستراتيجية على الصمود أمام التحولات الكبرى في النظام الدولي وبروز فواعل جدد يرفضون الهيمنة الأحادية.





شارك برأيك
من كيسنجر إلى عصر المسيّرات.. هل تغيرت استراتيجية واشنطن تجاه إيران والمنطقة؟