واشنطن – سعيد عريقات – 25/3/2026
تحليل إخباري
تعكس التصريحات الإيرانية الأخيرة بشأن الدعوات الأميركية لاستئناف المفاوضات مستوى غير مسبوق من انعدام الثقة، يستند إلى ما تعتبره طهران سجلًا متكررًا من "الخداع" في السلوك الأميركي. فقول مسؤولين إيرانيين إنهم تعرضوا "للخداع مرتين" من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يُطرح كاتهام عابر، بل كخلاصة تجربة ترى فيها طهران أن واشنطن استخدمت التفاوض غطاءً لتحركات عسكرية وضغوط أحادية الجانب.
في هذا الإطار، تبدو الدعوة الأميركية إلى محادثات مباشرة، رغم طابعها الدبلوماسي الظاهري، محاطة بشكوك عميقة، خاصة مع تزامنها مع تعزيزات عسكرية وتحركات ميدانية. وقد أبلغت إيران وسطاء إقليميين، من بينهم باكستان ومصر وتركيا، أن هذا التوقيت يعزز فرضية أن التفاوض قد يُستخدم مرة أخرى كأداة تضليل، وليس كمسار جاد لتسوية النزاع.
وتستند هذه المقاربة الإيرانية إلى تجربة مفصلية تمثلت في الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018، وهي الخطوة التي لا تزال تُعد في طهران دليلًا صارخًا على هشاشة الالتزامات الأميركية. فمن وجهة نظر إيرانية، لم يقتصر الأمر على نقض اتفاق دولي، بل شمل أيضًا إعادة فرض عقوبات قاسية تحت شعار "الضغط الأقصى"، ما رسخ قناعة بأن واشنطن لا تتردد في توظيف الاتفاقات كأدوات مؤقتة، قابلة للتراجع حين تتغير الحسابات السياسية.
هذا الإرث يجعل من الصعب على طهران التعامل مع أي مبادرة جديدة بوصفها فرصة حقيقية، إذ يُنظر إلى السلوك الأميركي باعتباره قائمًا على ازدواجية ممنهجة: خطاب دبلوماسي من جهة، وإجراءات تصعيدية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، لا تُقرأ التحركات العسكرية الحالية كوسيلة ضغط تفاوضي فحسب، بل كامتداد لنمط سابق تعتبره إيران أقرب إلى "الخداع الاستراتيجي" منه إلى الدبلوماسية التقليدية.
في المقابل، تواصل الإدارة الأميركية الترويج لمفهوم "التفاوض من موقع قوة"، حيث يُنظر إلى الحشد العسكري كأداة لفرض شروط أفضل على طاولة المفاوضات. ويعكس تصريح أحد مستشاري ترامب بأن الرئيس "يمد يدًا للاتفاق، بينما اليد الأخرى قبضة جاهزة للضرب" هذا النهج بوضوح. غير أن هذه المقاربة، التي تندرج ضمن الدبلوماسية القسرية، تبدو في الحالة الإيرانية سلاحًا ذا حدين، إذ إنها تعمّق الشكوك بدلًا من تقليصها.
بل إن هذا الأسلوب، من منظور نقدي، لا يكتفي بإضعاف فرص التفاهم، بل يقوّض أساس العملية التفاوضية نفسها. فعندما يُنظر إلى التفاوض كأداة ضغط أو خدعة تكتيكية، يفقد معناه كمسار قائم على الثقة المتبادلة والالتزامات المستقرة. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن هذا الإدراك قد ترسخ إلى حد يجعل أي مبادرة أميركية عرضة للتفسير بوصفها محاولة جديدة لإعادة إنتاج الأسلوب ذاته.
ورغم محاولات التهدئة، بما في ذلك طرح احتمال مشاركة نائب الرئيس جي دي فانس، لا تزال هذه الخطوات غير كافية لتبديد الشكوك. فالتقارير التي تتحدث عن استمرار الاستعدادات العسكرية، وتوجيهات وزير الدفاع بيت هيغسيث بمواصلة الضغط، تعزز الانطباع بأن واشنطن لم تغيّر جوهر مقاربتها، بل تعيد تقديمها بصيغة مختلفة.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار العمليات العسكرية منذ أواخر شباط الماضي، بالتوازي مع طرح خطة أميركية من 15 نقطة تشمل ملفات حساسة مثل البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، إضافة إلى الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. غير أن هذه المبادرة، بدل أن تُنظر إليها كبادرة انفراج، تُقابل في طهران بحذر شديد، في ظل قناعة بأن "النقاط" الأميركية قد تكون مجرد إطار تفاوضي هش، قابل للتبدل أو الانسحاب منه عند أول اختبار سياسي.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف على بنود اتفاق أو ترتيبات أمنية، بل تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة الجذور. فبالنسبة لإيران، لم تعد المشكلة في مضمون المقترحات الأميركية بقدر ما هي في مصداقية الطرف الذي يطرحها. ومع استمرار هذا الإدراك، فإن أي مسار تفاوضي سيبقى مهددًا بالانهيار، ما لم تُظهر واشنطن تحولًا حقيقيًا في سلوكها، يتجاوز ما تعتبره طهران سجلًا طويلًا من المناورة والخداع.





شارك برأيك
"نقاط" واشنطن تحت مجهر الشك: إرث الخداع يقوّض أي أفق تفاوضي مع طهران