كشفت تقارير صحفية عبرية عن كواليس النقاشات الأمنية داخل الاحتلال الإسرائيلي، حيث قدّر رئيس جهاز 'الموساد' دافيد برنياع أن عملية تغيير النظام في إيران قد تستغرق عاماً كاملاً. وجاءت هذه التقديرات عشية تصاعد التوترات العسكرية، مما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية حول جدوى هذه التوقعات ومدى واقعيتها.
وأفادت مصادر بأن برنياع عرض أمام مجلس الوزراء عدة سيناريوهات زمنية للتعامل مع الملف الإيراني، تراوحت بين بضعة أشهر وسنة كاملة. ورغم تباين الاحتمالات، إلا أن رئيس الموساد رجح كفة السيناريو الأطول أمداً، معتبراً أن التحولات الجذرية في طهران تتطلب نفساً طويلاً وعملاً استخباراتياً مكثفاً.
في المقابل، واجه برنياع موجة من الهجمات غير المباشرة عبر تسريبات من مصادر مجهولة اتهمته بتضليل القيادتين الإسرائيلية والأمريكية. وادعت هذه التسريبات أن رئيس الموساد قدم صورة متفائلة بشكل مبالغ فيه بشأن فرص إسقاط النظام الإيراني، مما أدى إلى بناء استراتيجيات على أسس غير دقيقة.
وأشارت تقارير دولية إلى أن هذه الحملة ضد برنياع قد تكون مدفوعة بمحاولات لتشويه سمعته، خاصة مع تزايد احتمالات فشل الجهود الرامية لتحقيق اختراق سريع. ورجحت مصادر أن تكون الدوائر المقربة من بنيامين نتنياهو أو الإدارة الأمريكية هي من يقف وراء هذه التسريبات لتبرير عدم تحقيق نتائج ملموسة.
وتواجه مكاتب القيادة السياسية في تل أبيب وواشنطن تساؤلات يومية من الرأي العام حول أسباب تعثر مسار تغيير النظام في إيران. ويبدو أن هناك محاولة لتحميل المؤسسة الأمنية، وعلى رأسها الموساد، مسؤولية رفع سقف التوقعات دون وجود ضمانات حقيقية على الأرض.
ويُعرف عن دافيد برنياع ميله لتقديم تقديرات حذرة ومشروطة، حيث يبتعد عادة عن طرح سيناريوهات حتمية للانهيار الوشيك. ويصفه مقربون بأنه 'رجل مؤسسة' يلتزم بتوجهات القيادة السياسية، ويقوم بصياغة العروض الاستخباراتية بناءً على طلبات وتوجهات رئيس الوزراء مباشرة.
وفي سياق التنسيق مع واشنطن، أكدت مصادر أن العروض التي قدمها برنياع لمسؤولي إدارة ترامب كانت خاضعة لإشراف مباشر من نتنياهو. ولم تكن تلك التحركات مبادرات مستقلة من الجهاز، بل كانت جزءاً من رؤية سياسية شاملة تهدف إلى حشد الدعم الأمريكي للخيار العسكري والأمني.
عملية تغيير النظام في طهران قد تستغرق نحو عام كامل، والتقديرات الحذرة هي سمة العمل الاستخباراتي المسؤول.
وذكرت تحقيقات صحفية أن برنياع كان قد أبلغ نتنياهو في وقت سابق بإمكانية تحفيز المعارضة الإيرانية لإحداث اضطرابات واسعة. وكان الرهان ينصب على أن تؤدي هذه القلاقل إلى انهيار النظام من الداخل خلال أيام من اندلاع أي مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما لم يتحقق.
وحملت بعض التقارير نتنياهو وترامب مسؤولية تبني نهج 'متفائل للغاية' تجاه الملف الإيراني، متجاهلين تحذيرات أجهزة استخباراتية أخرى. وأظهرت الوثائق المسربة أن نتنياهو أبدى عدم صبر تجاه البطء في تحقيق النتائج، خاصة مع مخاوفه من تراجع الزخم الدولي الداعم لعملياته.
من جهة أخرى، لا يوجد دليل ملموس على أن الموساد قدم تقديرات تختلف جوهرياً عن موقف الجيش الإسرائيلي. ويرى الجيش أن القوة العسكرية يمكنها فقط تهيئة الظروف المناسبة لتغيير سياسي، لكنها لا تضمن بشكل آلي سقوط النظام الحاكم في طهران دون عوامل داخلية مساندة.
وتضمنت خطط الموساد المسربة دعماً لتحركات جماعات كردية معارضة انطلاقاً من مناطق شمال العراق لزعزعة الاستقرار الداخلي في إيران. إلا أن هذه الخطط واجهت تشكيكاً من قبل الإدارة الأمريكية السابقة، التي قللت من جدوى الاعتماد على فصائل مسلحة محدودة التأثير في تغيير موازين القوى.
ويرتبط اسم برنياع باستراتيجية 'الموت بألف جرح' التي تهدف إلى استنزاف النظام الإيراني عبر عمليات نوعية وأدوات غير عسكرية. وهذه الاستراتيجية، التي طُورت في عهد الحكومة السابقة، تعتمد على ضرب المصالح الإيرانية في عدة جبهات بشكل متزامن لإضعاف بنية النظام تدريجياً.
وانتقد مراقبون تجاهل الجدل الحالي لعوامل حاسمة، مثل عدم تدخل القوى الدولية لحماية المحتجين الإيرانيين خلال موجات التظاهر السابقة. ويرى هؤلاء أن الرهان على الداخل الإيراني دون توفير غطاء دولي فعال كان أحد أسباب تعثر الاستراتيجية الاستخباراتية الإسرائيلية.
وفي ختام المعطيات المسربة، يظل الصمت هو سيد الموقف في مكتب رئيس الوزراء وجهاز الموساد، حيث امتنع الطرفان عن التعليق. وتعكس هذه الحالة من الارتباك عمق الأزمة داخل مؤسسات صنع القرار في الاحتلال بشأن كيفية التعامل مع الملف الإيراني المعقد.





شارك برأيك
كواليس تقديرات الموساد: عام لإسقاط نظام طهران واتهامات لبرنياع بالتضليل