تبدي الدوائر الرسمية والأمنية في إسرائيل حالة من القلق المتزايد تجاه التحولات الدراماتيكية في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن صراحة عن رغبته في التوصل إلى اتفاق مع إيران. وتتفاوت التقديرات في تل أبيب حول مدى جدية هذا التوجه، خاصة بعد التصريحات المباغتة التي أدلى بها ترامب وأربكت حسابات الحكومة الإسرائيلية التي كانت تراهن على استمرار الضغط العسكري الأقصى.
وعقب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على هذه التطورات بالإشارة إلى أنه أجرى محادثات مع الرئيس الأمريكي، موضحاً أن الأخير يرى فرصة سانحة لاستثمار ما وصفها بـ'الإنجازات الكبيرة' للجيشين الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة. وحاول نتنياهو طمأنة جمهوره بأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يحافظ على المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل، رغم وجود فجوات واضحة في الرؤى بين الطرفين.
وفي سياق التحركات الدبلوماسية المتسارعة، كشفت مصادر مطلعة أن نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، ناقش مع نتنياهو في مكالمة هاتفية تفاصيل تتعلق ببدء مفاوضات مع طهران. وتناولت المحادثات بنوداً محتملة لإنهاء المواجهة العسكرية المباشرة، وهو ما يعكس رغبة إدارة ترامب في إغلاق هذا الملف الشائك في وقت مبكر من ولايته.
من جانبها، نقلت تقارير إعلامية عن وجود 'رسالة سرية' بعث بها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف. وتضمنت الرسالة إشارات إلى موافقة المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، على إنهاء الأزمة الحالية بسرعة، شريطة تحقيق المطالب الإيرانية الأساسية، مما يشير إلى تحول في الموقف السياسي لطهران.
وتشير المعلومات المسربة إلى أن عراقجي أجرى اتصالاً هاتفياً مع ويتكوف بحضور صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير، لضمان وصول الرسالة إلى الدائرة الضيقة لترامب. ويهدف الجانب الإيراني من هذه الخطوة إلى إظهار انتقال سلس ومنظم للسلطة في طهران، بخلاف التوقعات الإسرائيلية التي كانت تراهن على حدوث اضطرابات داخلية تعيق القرار السياسي.
وعلى الصعيد الميداني، أفادت مصادر بأن واشنطن بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات عملية لتهيئة الأجواء للمفاوضات، حيث وجه ترامب وزارة الدفاع بتأجيل الضربات الجوية المقررة على منشآت الطاقة الإيرانية. ويهدف هذا التأجيل الذي يمتد لخمسة أيام إلى إعطاء فرصة للجهود الدبلوماسية، تزامناً مع أنباء عن انطلاق جولة مفاوضات في باكستان نهاية الأسبوع الجاري.
وفي محاولة لتقليل الأضرار وضمان عدم تجاوز الخطوط الحمراء، أوفد نتنياهو الوزير رون ديرمر إلى واشنطن لعرض المطالب الإسرائيلية بوضوح أمام الإدارة الأمريكية. وتسعى إسرائيل من خلال هذه الزيارة إلى التأكيد على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق تفكيكاً كاملاً للبرنامج النووي ومنع إيران من امتلاك أي قدرات تخصيب مستقبلية.
ترامب يعتقد بوجود فرصة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، مستفيداً من الإنجازات العسكرية، لكننا سنعمل على ضمان المصالح الحيوية لإسرائيل.
وحذرت صحف إسرائيلية، من بينها 'هآرتس'، من مغبة قيام حكومة نتنياهو بعرقلة المسار التفاوضي الجديد كما حدث في تجارب سابقة. ودعت الصحيفة إلى ضرورة تمكين الولايات المتحدة من إدارة الحوار الدبلوماسي، مشيرة إلى أن التصعيد العسكري المستمر قد لا يحقق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى التي يطمح إليها المجتمع الدولي.
وتسود حالة من اللغط داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول المقاصد الحقيقية لترامب، حيث يخشى مسؤولون سابقون من إبرام 'اتفاق سيئ' يمنح إيران شرعية دولية دون معالجة جذرية لملف الصواريخ الباليستية. ويرى هؤلاء أن الاكتفاء بتقليص مدى الصواريخ قد يبعد الخطر عن أوروبا لكنه سيبقي إسرائيل ودول الخليج تحت التهديد المباشر.
المحللون العسكريون في تل أبيب يشيرون إلى أن ترامب يخشى التورط في حرب إقليمية واسعة قد تستنزف الموارد الأمريكية، ولذلك يفضل التسويات السريعة. هذا التوجه يضع نتنياهو في مأزق سياسي، حيث تتعارض رغبته في مواصلة الحرب لتحقيق 'النصر المطلق' مع رغبة حليفه الأكبر في واشنطن لإنهاء النزاعات المسلحة.
ويرى مراقبون أن نتنياهو، الذي دفع بقوة نحو انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، يجد نفسه اليوم أمام واقع معقد بعد تسارع وتيرة التخصيب الإيرانية. وتتصاعد الأصوات داخل إسرائيل التي تطالب بمراجعة جدوى السياسات السابقة التي أدت إلى وصول إيران إلى حافة القدرة النووية، معتبرة أن الدبلوماسية قد تكون المخرج الوحيد المتبقي.
وفي ظل هذه الأجواء، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان وضد أهداف إيرانية، في محاولة لفرض وقائع على الأرض قبل نضوج أي اتفاق سياسي. ويؤكد المسؤولون الإسرائيليون في تصريحاتهم العلنية أن الضغط العسكري هو الذي دفع طهران للجلوس على طاولة المفاوضات، في محاولة لحفظ ماء الوجه أمام الجمهور الداخلي.
ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف في المنطقة بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من لقاءات في باكستان أو واشنطن. وبينما يطمح ترامب لتحقيق إنجاز دبلوماسي سريع، تظل إسرائيل متوجسة من أن يأتي هذا الإنجاز على حساب أمنها القومي، مما قد يفتح الباب أمام مواجهة صامتة بين الحليفين حول كيفية التعامل مع الطموحات الإيرانية.





شارك برأيك
قلق في تل أبيب من توجهات ترامب لإبرام اتفاق سريع مع طهران