أقلام وأراء

الأحد 22 مارس 2026 8:18 مساءً - بتوقيت القدس

قراءة في سنن الأفول: كيف يواجه الغرور الاستراتيجي فخ الاستدراج؟

تعيش المنطقة في الوقت الراهن حالة من الغليان السياسي والعسكري، حيث تلتقي القوة المادية المفرطة مع حالة من الغرور الاستراتيجي الذي يعمي البصيرة. ويرى مراقبون أن ما يحدث في غزة وامتدادات المواجهة بين أطراف إقليمية ودولية ليس مجرد صدام عسكري عابر، بل هو تعبير عن سنن تاريخية تؤدي بالدول نحو الانتحار الوظيفي حين تتوهم امتلاك القدر.

إن دفع الاحتلال نحو مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية كإيران يمثل تحولاً جوهرياً في قواعد الاشتباك التقليدية. هذا التحول وضع الكيان في حالة استنزاف شامل طالت عمقه الجغرافي، وهزت الصورة الذهنية التي حاول ترسيخها لعقود كقوة ردع لا يمكن قهرها في المنطقة.

لقد تهاوت أسطورة الأمن المطلق التي كان يتغنى بها الاحتلال، مما أدى إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة. وتفيد تقارير ببروز ظاهرة الهجرة العكسية للنخب ورؤوس الأموال، وهو ما يعد مؤشراً صريحاً على تصدع العقد الاجتماعي داخل المجتمع الصهيوني وفقدان الثقة في المستقبل.

ولم تتوقف تداعيات هذا الاستدراج عند حدود الكيان، بل امتدت لتشمل أطرافاً إقليمية راهنت على الحماية الخارجية. فقد وجدت تلك العواصم نفسها في حالة من العراء الاستراتيجي، بعد أن اكتشفت أن المظلة الأمنية التي كانت تعتمد عليها باتت هي نفسها تبحث عمن يحميها من الانهيار.

وسط هذا الركام، ولدت معجزة الوعي الشعبي العابر للحدود، وهي ظاهرة لم تتوقعها مراكز الدراسات الغربية. فقد تحول الإنسان العربي من مجرد مراقب للأحداث إلى فاعل استراتيجي يمتلك القدرة على تمييز الحقائق وتحطيم أصنام التضليل الإعلامي الممنهج الذي مورس عليه لسنوات.

هذه اليقظة الجماعية شكلت ما يمكن وصفه بالجيش غير المرئي، الذي أفشل مشاريع دمج الكيان في النسيج الإقليمي. لقد أصبح الوعي الشعبي اليوم سداً منيعاً أمام محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وأعاد تعريف الصراع في المنطقة كقضية وجودية وحقوقية غير قابلة للمساومة.

وهنا يبرز الدور الجوهري للنخبة المثقفة في قيادة هذه المرحلة التاريخية الحساسة. فالمهمة الملقاة على عاتق الأكاديميين والمثقفين تتجاوز التنظير الأكاديمي إلى هندسة الوعي الجمعي، وتحويل الانفعالات العاطفية إلى مشاريع عمل استراتيجية عابرة للأجيال.

يجب على النخب صياغة رواية تاريخية وحقوقية رصينة تخاطب العالم بلغة العلم والمنطق، وتفضح زيف الأساطير التي بني عليها المشروع الصهيوني. إن تحصين الأجيال القادمة من الهزيمة النفسية يتطلب بناء خطاب فكري متين يستند إلى الحقائق التاريخية والواقع الميداني المتغير.

كما تتطلب المرحلة الحالية وضع خرائط طريق عملية لتحقيق السيادة في مجالات الاقتصاد والتقنية والغذاء والدواء. فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق إلا بالاستغناء عن التبعية المهينة، وهو ما يفرض على العقول المبدعة في الأمة تقديم بدائل واقعية تعزز من صمود الشعوب وقدرتها على المواجهة.

إن ما نشهده اليوم هو بداية نهاية المركزية الأخلاقية للغرب، الذي سقطت شعاراته تحت ركام غزة. هذا الانهيار القيمي يمهد الطريق لولادة نظام دولي جديد، لن تكتب قواعده القوى الكبرى وحدها، بل ستشارك في صياغته إرادة الشعوب التي استعادت بوصلتها الحقيقية.

إن التآكل البنيوي في المشروع الإمبريالي وداعميه يسير في مسارات محتومة لا يمكن إيقافها. فالتاريخ يخبرنا أن الظلم حين يصل إلى ذروته يبدأ في التآكل من الداخل، وهو ما نراه اليوم في حالة التخبط السياسي والعسكري التي تعاني منها القوى الاستعمارية.

إن العلم والبحث العلمي هما الجناحان اللذان يجب أن يحلق بهما الحق ليصبح قوة مهابة في المحافل الدولية. وبدون امتلاك أدوات القوة المعرفية، سيبقى الوعي الشعبي قاصراً عن إحداث التغيير الجذري المطلوب للتحرر من قيود الهيمنة الخارجية والتبعية الاقتصادية.

وفي الختام، يظهر الترتيب القدري للأحداث أن الطغاة يساقون إلى حتفهم بظلم أيديهم وغرور قوتهم المادية. وفي المقابل، تنهض الشعوب من تحت الرماد، متسلحة بوعي صلب ونخبة عالمة تدرك أن فجر العدالة آتٍ لا محالة مهما طال ليل الظلم.

إن تضافر جهود المقاومة في الميدان مع كفاح الأكاديميين في ساحات الفكر هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة والهيبة. فالمعركة اليوم هي معركة إرادات وعقول، والمنتصر فيها هو من يمتلك النفس الأطول والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للنهوض والتحرر.

دلالات

شارك برأيك

قراءة في سنن الأفول: كيف يواجه الغرور الاستراتيجي فخ الاستدراج؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.