لم يكن آخر ما توقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تتحوّل الحرب التي أرادها خاطفة وسريعة إلى مواجهة مفتوحة تستنزف الوقت والقدرات معاً، فقد بُنيت الحسابات في واشنطن على فرضية ضربة حاسمة تُربك إيران وتفتح الطريق أمام إسقاط النظام أو إجباره على الاستسلام خلال أيام، لكن ما جرى على الأرض سرعان ما بدّد هذا التصوّر، فحرب الساعات التي بشّر بها البيت الأبيض تحوّلت إلى أيام، ثم إلى أسابيع، لتتخذ تدريجياً شكل حرب استنزاف طويلة لم تكن ضمن حسابات ترمب ولا ضمن قدرته السياسية على تحمّل تبعاتها.
لقد بدا واضحاً منذ الأيام الأولى أن إيران لم تُفاجأ بالمواجهة، بل استعدّت لها طويلاً، فقيادتها كانت تتعامل مع احتمال الحرب باعتباره أمراً شبه حتمي، ولذلك صاغت استراتيجيتها على أساس تحويل أي هجوم واسع إلى حرب استنزاف مفتوحة جغرافياً وزمنياً، تستنزف الولايات المتحدة وإسرائيل ومن يحالفهم ، ومع مرور الوقت، بدأ ميزان التوقعات يتبدل، فبدلاً من حسم سريع وجد ترمب نفسه أمام معركة تتعقّد يوماً بعد يوم.
ومع انقضاء الأسبوع الأول والثاني من الحرب، أخذ حلم الحسم يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى كابوس سياسي واقتصادي، فمخطط إسقاط النظام الإيراني من الضربة الأولى فشل، كما تعثّر الرهان على السيطرة على مفاتيح الطاقة العالمية، بل على العكس، وجدت الأسواق نفسها أمام واقع جديد بعد أن أصبح الممر الملاحي الذي يعبره نحو ربع نفط العالم تحت تهديد مباشر، ما دفع أسعار النفط إلى تجاوز حاجز المئة دولار للبرميل مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، في تطور ينذر بتداعيات اقتصادية عالمية ثقيلة.
فيما جاء البيان الأول للمرشد الأعلى الجديد في إيران، السيد مجتبى خامنئي، ليكثّف هذا التحدّي بعبارات حاسمة حملت رسائل واضحة إلى الداخل والخارج، مؤكدا ارادة إيران في مواصلة الدفاع المؤثّر والرادع، مضيفاً أن استخدام "ورقة إغلاق مضيق هرمز" سيبقى خياراً قائماً، لم تكن تلك مجرد كلمات سياسية، بل إعلاناً واضحاً بأن طهران مستعدة للذهاب نحو حرب استنزاف طويلة قد تضرب شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الاقتصاد الأميركي.
أمام هذا المأزق المتصاعد، ومع ارتفاع كلفة الحرب وتزايد التباينات داخل الإدارة الأميركية نفسها، إضافة إلى التوترات التي بدأت تظهر في العلاقة مع إسرائيل، وجد ترمب نفسه يبحث عن مخرج سياسي وعسكري في آن واحد، ولذلك لجأ إلى دعوة حلفائه للمشاركة في حماية الملاحة في مضيق هرمز، معلناً أن عدة دول قد ترسل سفناً حربية بالتعاون مع الولايات المتحدة لضمان بقاء الممر مفتوحاً.
وقد وجّه ترمب نداءً مباشراً إلى دول كبرى مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، مطالباً إياها بالمساهمة في تأمين الملاحة في الخليج بحجة أن هذه الدول تستفيد من نفط المنطقة، وفي محاولة لإظهار أن واشنطن ما زالت تمسك بزمام المبادرة، أعلن عن هجوم جوي على جزيرة خرج الإيرانية، في خطوة هدفت إلى إقناع العالم بأن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على التحكم بمسار العمليات العسكرية.
لكن دعوة ترمب لم تلقَ الحماسة التي كان يأملها، حتى من أقرب حلفائه، فقد بدا واضحاً أن كثيراً من الدول لا ترغب في التورط في حرب واسعة قد تخرج عن السيطرة، خصوصاً أنها ترى أن واشنطن هي من اختار طريق المواجهة وفتح أبواب هذه الحرب، ولذلك حملت العديد من العواصم الإدارة الأميركية مسؤولية إشعال الصراع، معتبرة أن من يبدأ الحرب عليه أن يتحمّل مسؤولية إنهائها، لا أن يسعى إلى جرّ الآخرين إلى أتونها.
وهكذا، بدلاً من أن تتحول الحرب إلى عرض للقوة الأميركية، بدأت تتحول تدريجياً إلى اختبار قاسٍ لقدرة واشنطن على إدارة صراع قد يكون طويل ومعقّد، فحرب الاستنزاف التي راهنت عليها طهران لا تهدف فقط إلى المواجهة العسكرية، بل إلى ضرب معادلات القوة والاقتصاد والسياسة في آن واحد، وفي هذا المشهد المتشابك، لم يعد السؤال المطروح هو كيف تبدأ الحرب، بل كيف يمكن إنهاؤها دون أن تتحول إلى أزمة عالمية مفتوحة.
وهكذا، بينما كانت واشنطن تتخيّل حرباً سريعة تعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، وجدت نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً وخطورة، فحرب الاستنزاف التي فرضتها إيران لا تستهدف الميدان العسكري فقط، بل تضرب في عمق الاقتصاد العالمي وتضع النظام الدولي أمام اختبار غير مسبوق، ومع استمرار هذا المشهد المأزوم، يبدو أن السؤال لم يعد متى تنتصر الولايات المتحدة في هذه الحرب، بل كيف يمكنها الخروج منها بأقل قدر ممكن من الخسائر، قبل أن تتحول شرارة الخليج إلى حريق يمتد إلى العالم بأسره.
أقلام وأراء
الخميس 19 مارس 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
ورقة هرمز تقلب الموازين: واشنطن تبحث عن مخرج من حرب بلا حلفاء