تشهد الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي تصاعداً ملحوظاً في حملات تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، تركز بشكل أساسي على موقفها من الضربات الإيرانية الموجهة نحو دول الخليج العربي. هذه الحملة، التي يصفها مراقبون بأنها تفتقر للبراءة، تأتي في سياق محاولات لابتزاز الجماعة سياسياً عبر استغلال التوترات الإقليمية المتزايدة بين طهران من جهة، والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة أخرى.
تتنوع الأصوات المشاركة في هذه الحملة، حيث ينطلق بعضها من تجارب مريرة ومؤلمة مع السياسات الإيرانية في المنطقة، كما هو الحال مع بعض الأصوات السورية التي عانت من تدخلات أذرع طهران. ومع تفهم الدوافع الإنسانية لهذه الفئة، إلا أن هناك أطرافاً أخرى استغلت هذا الزخم لتوجيه خطاب يتسم بالعنصرية والتحريض المباشر، متجاوزاً حدود النقد السياسي البناء إلى التشويه المتعمد.
تؤكد الوقائع أن الموقف الرسمي للجماعة اتسم بالرفض المزدوج؛ حيث استنكرت البيانات الصادرة عن قياداتها الاعتداءات الصهيونية والأمريكية على إيران، وفي الوقت ذاته أدانت بوضوح أي استهداف إيراني لدول الخليج. هذا التوازن يظهر في تصريحات الدكتور صلاح عبد الحق التي وصفت تلك الضربات بأنها انحراف عن البوصلة الحقيقية للصراع في المنطقة.
وفي سياق متصل، شدد الدكتور محمود حسين في كلمات بثت عبر منصات إعلامية على استنكار الضربات الموجهة للمنشآت المدنية في الخليج، وهو ما يتماشى مع الأدبيات السياسية التي تعلنها الجماعة. ورغم هذا الوضوح، تتجاهل الحملات التحريضية هذه المواقف، وتركز على رواية الصمت المزعوم لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة وإحداث وقيعة مع المجتمعات الخليجية.
المثير للاهتمام هو تجاهل هذه المنصات لبيان 'إخوان سوريا' الذي كان الأكثر حدة في إنكار الضربات الإيرانية، حيث لم يشر البيان السوري حتى إلى العدوان الإسرائيلي على إيران. هذا الانتقاء في النقد يشير إلى أن الهدف ليس تقييم المواقف بناءً على الحقائق، بل توجيه ضربات إعلامية منسقة لخدمة أجندات إقليمية محددة.
برزت في هذه الحملة أسماء معروفة بتوجهاتها العدائية التقليدية للجماعة، حيث شارك فيها مشايخ وإعلاميون من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى دخول شخصيات محسوبة على أجهزة أمنية وصحفيين من جانب الاحتلال الإسرائيلي على خط الأزمة. هذا التقاطع في المصالح يضع علامات استفهام كبرى حول الجهات المحركة لهذه المنصات وتوقيت إطلاقها.
تشير التقارير إلى أن دولة الإمارات تلعب دوراً محورياً في توجيه هذا الخطاب الإعلامي، حيث يتركز نشاطها السياسي والدبلوماسي مؤخراً على محاصرة تحركات الجماعة في السودان واليمن. ويبدو أن الانشغال بملف الإخوان قد طغى على الاهتمام بالرد الفعلي على التهديدات الإيرانية المباشرة، مما يعكس ترتيباً خاصاً للأولويات السياسية.
الراصد لمواقف الإخوان سيجدها ضد ضربتين: ضربة الكيان والأمريكان لإيران، وضد ضربات إيران لدول الخليج وبخاصة الموجهة للمواقع المدنية.
الحملة لم تكتفِ باستهداف القيادات المقيمة في الخارج، بل امتدت لتشكك في ولاء المواطنين من أبناء دول الخليج الذين قد يتبنون فكراً قريباً من الجماعة. هذا الأسلوب يهدف إلى خلق حالة من الاستقطاب الداخلي وتخوين المكونات المجتمعية، وهو ما يخدم سياسات الأنظمة التي ترى في أي حراك شعبي أو فكري تهديداً لاستقرارها.
من المفارقات التي يسجلها الواقع أن الجهات التي تروج لانتهاء دور الإخوان وفشل تجربتهم، هي نفسها التي تخصص ميزانيات ضخمة لملاحقتهم إعلامياً وأمنياً. هذا التناقض يشير بوضوح إلى أن الجماعة، رغم ما تمر به من ضعف تنظيمي أو تضييق ملاحق، لا تزال تمثل رقماً صعباً في المعادلة السياسية العربية والإسلامية لا يمكن تجاوزه بسهولة.
إن محاولات تصوير الجماعة كحليف لإيران تتناقض مع التاريخ الطويل من الخلافات العقدية والسياسية، خاصة في الملف السوري الذي شكل نقطة قطيعة كبرى. ومع ذلك، فإن الرفض المبدئي للعدوان الأجنبي على أي دولة مسلمة لا يعني بالضرورة القبول بسياسات تلك الدولة التوسعية أو اعتداءاتها على جيرانها، وهو ما تحاول الحملة طمسه.
أفادت مصادر إعلامية بأن التحركات الإماراتية وصلت إلى حد الضغط على الإدارة الأمريكية لتصنيف فروع الجماعة في دول النزاع كمنظمات إرهابية. هذه التحركات تأتي في وقت حساس تمر فيه المنطقة بتحولات كبرى، مما يشير إلى رغبة في استغلال الفوضى الإقليمية لتصفية حسابات سياسية قديمة مع التيارات الإسلامية.
الخطاب الإعلامي الموجه حالياً يعتمد بشكل كبير على 'أنصاف الحقائق' واجتزاء التصريحات من سياقها التاريخي والسياسي. فبينما يتم التركيز على إدانات الجماعة للعدوان الإسرائيلي، يتم إغفال إداناتها الموازية للتدخلات الإيرانية، وذلك لرسم صورة ذهنية محددة تخدم أهداف الممولين لهذه المنصات.
في نهاية المطاف، يبقى الوعي الشعبي هو الحصن أمام محاولات التضليل الإعلامي التي تمارسها أطراف مرتبطة بأجندات خارجية. إن القدرة على التمييز بين الموقف المبدئي الرافض للعدوان وبين التحالف السياسي هي جوهر العقلانية التي يفتقدها خطاب التحريض الحالي، والذي يبدو أنه مدفوع برغبات انتقامية أكثر من كونه بحثاً عن الحقيقة.
إن استمرار هذه الحملات يؤكد أن الصراع في المنطقة ليس مجرد صراع عسكري أو حدودي، بل هو صراع على الرواية والوعي. وتظل محاولات عزل القوى السياسية الفاعلة عبر الابتزاز بالمواقف الإقليمية وسيلة قديمة تتجدد بتغير الأدوات، لكنها تصطدم دوماً بالبيانات الرسمية والمواقف الموثقة التي لا يمكن محوها بجرة قلم أو تغريدة محرضة.





شارك برأيك
حملات الابتزاز السياسي: قراءة في استهداف موقف الإخوان من التوترات الإيرانية الخليجية