تقدم القصة القرآنية لوفاة نبي الله سليمان عليه السلام نموذجاً معرفياً يتجاوز السرد التاريخي إلى تأمل عميق في سنن التاريخ وتهاوي القوى. فقد ظل الجسد مسنداً إلى عصاه، والجن يعملون في دأبهم ظناً منهم أن الرقابة ما تزال قائمة، بينما كان الموت قد وقع بالفعل ولم يكشفه إلا تآكل المنسأة بفعل دابة الأرض.
هذا المشهد يجسد ظاهرة تتكرر في التاريخ البشري، حيث تبدو الأبنية السياسية قائمة وشامخة، بينما بدأ التآكل ينخر في جوهرها منذ زمن بعيد. يبقى الشكل الخارجي والمؤسسات الرسمية، وتستمر الأوامر في الدوران داخل الجهاز الإداري بفعل العادة، رغم أن الروح السياسية قد فارقت الجسد التنظيمي.
في علم السياسة، يطلق الباحثون على هذه الحالة مسمى 'الجمود المؤسسي'، حيث تكتسب المؤسسات الضخمة في الأنظمة الشمولية نوعاً من القصور الذاتي. تستمر هذه الهياكل في الحركة ليس لقوتها الذاتية، بل بفعل الخوف والبيروقراطية المتجذرة، حتى لو توقف القلب النابض للنظام عن العمل.
يشير عالم الاجتماع بيير بورديو إلى مفهوم 'السلطة الرمزية'، حيث تستمد المؤسسات قدرتها على البقاء من وجود الرمز في المخيال الجماعي. فالسلطة لا ترتكز فقط على القوة المادية الملموسة، بل تعتمد بشكل أساسي على اعتقاد المحكومين بوجود هذه القوة واستمراريتها.
إن ما يصفه بورديو بـ 'العنف الرمزي' يدفع الجماهير لقبول السلطة وإعادة إنتاجها عبر الطقوس الرسمية والخطاب الإعلامي المكرر. هذه الممارسات تحافظ على صورة القوة في الأذهان، حتى بعد أن تفقد معناها الحقيقي وتصبح مجرد قشرة خارجية تخفي فراغاً داخلياً.
لكل عصر 'دوابه' الخاصة التي تنخر عصا السلطة بصمت وبعيداً عن الأعين، فقد تمثل هذه الدابة فساداً مستشرياً أو أزمة اقتصادية خانقة. كما قد يكون التآكل ناتجاً عن فقدان الشرعية السياسية أو تحولات رقمية وإعلامية تكسر احتكار النظام للمعلومة وتكشف هشاشته.
أحياناً يكون الحدث الذي يسقط العصا بسيطاً في ظاهره لكنه يحمل ثقل التراكمات التاريخية التي حدثت في العمق. التاريخ القريب يذكرنا كيف تحولت حادثة البائع المتجول محمد البوعزيزي في تونس إلى شرارة أحرقت هشاشة نظام كان يظن الجميع أنه صلب لا يلين.
كثير من الأنظمة لا تسقط حين تموت، بل تموت أولاً، ثم يكتشف الناس موتها يوم السقوط.
لم تكن لحظة البوعزيزي هي بداية التآكل، بل كانت اللحظة التي ظهر فيها للعيان أن المنسأة قد أُفرغت من داخلها تماماً. عند تلك النقطة، يتحول التراكم الكمي الصامت إلى تغير نوعي مفاجئ، ويسقط الجسد الذي كان يظنه الناس حياً يراقب تحركاتهم.
الفيلسوفة السياسية حنة أرندت حللت الأنظمة الشمولية ورأت أنها قد تبدو مستقرة تماماً لفترة طويلة بسبب سطوة الخوف. لكن هذا الاستقرار يظل رهيناً بـ 'الربع ساعة الأخيرة'، وهي اللحظة التي يكتشف فيها الجميع فجأة أن البناء الذي أرعبهم كان متآكلاً.
من الضروري التمييز بين سقوط النظام وسقوط الدولة، فالدولة بمؤسساتها العميقة ومجتمعها قد تنجو من انهيار النظام الحاكم. الدابة في هذا السياق لا تلتهم كيان الدولة، بل تنخر شرعية النظام الذي اتكأ على مؤسساتها لشرعنة وجوده واستمراريته.
إن التأمل في هذه السنن الكونية لا يهدف للمقارنة بين مقام النبوة والواقع السياسي، بل لاستلهام العبرة من القوانين التي تحكم صعود وهبوط القوى. فظاهر القوة غالباً ما يخفي ضعفاً هيكلياً عميقاً لا يظهر إلا حين تنهار الركائز الأساسية التي يستند إليها.
حين تسقط العصا، لا يسمع المراقبون إلا دوي السقوط المفاجئ الذي يثير الدهشة، لكن من كانوا يراقبون 'نخر الدابة' يدركون أن الموت وقع منذ زمن. عندها فقط يدرك الناس أنهم قضوا سنوات في تبعية وخوف لشيء لم يكن موجوداً إلا في أوهامهم الجماعية.
العبرة التاريخية تؤكد أنه ليس كل ما يبدو صامداً هو حي بالضرورة، وليس كل ما يظهر صلباً يمتلك قوة حقيقية. التاريخ يظل يطرح أسئلته المفتوحة حول عدد الأنظمة التي يحكمها 'الموتى' حالياً، بانتظار اللحظة التي تكتمل فيها نخرة دابة الأرض.
ختاماً، يبقى النص القرآني مرجعاً لفهم تقلبات الأمم، حيث يتبين في النهاية أن العلم بالغيب لو كان متاحاً لما لبث الناس في عذاب التبعية المهين. إنها دعوة لليقظة وإدراك أن القوة الحقيقية تنبع من الداخل، وأن الهياكل الجوفاء مصيرها السقوط مهما طال أمد استنادها.





شارك برأيك
دابة الأرض ومنسأة الحكم: كيف تموت الأنظمة قبل إعلان سقوطها؟