يتزايد في الآونة الأخيرة صدور تصريحات عن مسؤولين ومحللين في الولايات المتحدة وإسرائيل توحي بأن الحرب الدائرة مع إيران قد تقترب من نهايتها أو على الأقل من مرحلة البحث عن مخرج سياسي يوقف التصعيد العسكري المباشر. هذه التصريحات لا تزال متناقضة ومبهمة في كثير من الأحيان، لكنها تشي بأن مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب بدأت تفكر في حدود القوة وفي كلفة الاستمرار في حرب مفتوحة مع دولة بحجم إيران وإمكاناتها الجغرافية والعسكرية والبشرية. ومع ذلك فإن السؤال الأكثر تعقيدا لا يتعلق فقط بإمكانية أن تقرر الولايات المتحدة وإسرائيل إنهاء الحرب أو تخفيف حدتها، بل يتعلق بما إذا كانت إيران ستقبل بذلك أو ستواصل هجماتها الصاروخية على إسرائيل وعلى القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة. هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الصراع وللذاكرة التاريخية والسياسية التي تحكم سلوك الأطراف المتصارعة.
في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية سادت سردية رسمية تقول إن الحرب تسير وفقا لخطة مدروسة وإن إسرائيل تحقق إنجازات استراتيجية كبيرة ضد إيران. غير أن هذه السردية بدأت تتعرض في الآونة الأخيرة لتشكيك متزايد من قبل خبراء عسكريين إسرائيليين ومحللين أمنيين يرون أن الصورة أكثر تعقيدا مما يقدمه الخطاب الرسمي. فقد بدأ بعض هؤلاء الخبراء بطرح رواية مختلفة تشير إلى أن الحرب لا تسير بالسهولة التي يروج لها رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأن الحديث عن تحقيق أهداف استراتيجية كبرى قد يكون مبالغا فيه أو سابقا لأوانه. ويرى هؤلاء أن الحرب مع دولة بحجم إيران ليست معركة قصيرة يمكن حسمها بضربات محدودة، بل هي صراع طويل يتطلب موارد هائلة وقدرة على التحمل الاقتصادي والعسكري والنفسي.
هذه القراءة الجديدة داخل إسرائيل تتقاطع مع تصريحات صدرت عن مسؤولين أميركيين تعكس بدورها نوعا من التردد أو إعادة التقييم لمسار الحرب. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريح لوسائل إعلام أميركية إنه يعتقد أن الحرب تكاد تكون انتهت، مضيفا أن إيران فقدت الكثير من قدراتها العسكرية وأنها لم تعد تمتلك أسطولا بحريا فعالا أو شبكة اتصالات متماسكة أو قوة جوية قادرة على تغيير موازين الصراع. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة متقدمة بفارق كبير عن الجدول الزمني الأصلي للحرب الذي كان يقدر بنحو أربعة إلى خمسة أسابيع. غير أن ترامب نفسه عاد لاحقا ليقول في تصريحات نقلتها شبكة سي بي إس ووسائل إعلام دولية أخرى إن الحرب الإيرانية انتهت إلى حد كبير، وهي صيغة مختلفة تحمل قدرا من الغموض وتوحي بأن الصراع لم ينته تماما بل دخل مرحلة مختلفة.
هذه التناقضات في التصريحات الأميركية دفعت عددا من المحللين إلى الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية تحاول تهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لإمكانية الخروج من الحرب بطريقة تحفظ ماء الوجه السياسي. فالحروب الحديثة لا تنتهي دائما بهزيمة واضحة لطرف وانتصار كامل لطرف آخر، بل كثيرا ما تنتهي بإعلان سياسي يفسر الوقائع العسكرية بطريقة تخدم أهداف كل طرف. وفي هذا السياق يرى بعض المحللين أن الولايات المتحدة التي تخوض الحرب فعليا بالنيابة عن إسرائيل قد تسعى إلى إيجاد مخرج تدريجي يوقف النزيف الاقتصادي المتزايد الذي بدأ ينعكس على الاقتصاد الأميركي وعلى الاقتصاد العالمي.
إن استمرار الحرب لفترة طويلة يعني بالضرورة ارتفاعا كبيرا في تكاليف العمليات العسكرية وفي أسعار الطاقة وفي اضطراب حركة التجارة الدولية، وهو ما يشكل ضغطا إضافيا على الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف بعد من أزمات السنوات الأخيرة. ولهذا فإن جزءا من التصريحات الأميركية قد يكون موجها لإرسال إشارات سياسية تفيد بأن واشنطن لا ترغب في حرب طويلة مفتوحة مع إيران وأنها مستعدة للبحث عن مسار خروج إذا توفرت الظروف المناسبة.
وتعزز هذا الانطباع تصريحات نقلتها صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول إسرائيلي رفيع قال إن من الممكن البحث عن مسار للخروج من الحرب إذا تحقق عدد من الأهداف العسكرية الأساسية. مثل هذه التصريحات توحي بأن تل أبيب بدأت بدورها تفكر في حدود القوة العسكرية وفي صعوبة الاستمرار في مواجهة مفتوحة مع دولة تمتلك قدرات صاروخية واسعة وشبكة حلفاء إقليميين يمكن أن يوسعوا نطاق الصراع في أي لحظة.
لكن التفكير في إنهاء الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعني بالضرورة أن إيران ستتوقف عن الرد العسكري. فإيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسرعة أو دفعها إلى الاستسلام تحت الضغط العسكري المباشر. على العكس من ذلك تمتلك إيران خبرة طويلة في الحروب الممتدة، وأبرز مثال على ذلك الحرب الطويلة التي خاضتها مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي والتي استمرت ثماني سنوات كاملة. خلال تلك الحرب واجهت إيران ظروفا عسكرية واقتصادية قاسية لكنها تمكنت من الصمود والتكيف مع حرب استنزاف طويلة، وهو ما شكل جزءا أساسيا من الذاكرة الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية الإيرانية.
إلى جانب هذه الخبرة التاريخية تمتلك إيران ميزات جغرافية تجعل من الصعب إخضاعها في حرب قصيرة. فمساحة البلاد الشاسعة وتنوع تضاريسها بين جبال وصحارى وسهول ساحلية يمنحانها عمقا استراتيجيا كبيرا يسمح بتوزيع المنشآت العسكرية وتحصينها في مناطق مختلفة. كما أن هذا التنوع الجغرافي يمنح القوات الإيرانية قدرة أكبر على المناورة وعلى امتصاص الضربات العسكرية دون انهيار سريع للبنية العسكرية للدولة.
ولا تقتصر عوامل الصمود الإيراني على الجغرافيا والخبرة العسكرية فقط، بل تمتد أيضا إلى البعد الثقافي والسياسي داخل المجتمع الإيراني. فمنذ بداية التصعيد العسكري حرصت القيادة الإيرانية على استنهاض الشعور القومي الفارسي الذي يقوم على سردية تاريخية عميقة ترى في إيران حضارة قديمة قاومت عبر قرون طويلة محاولات الغزو الخارجي. هذا الشعور القومي يتداخل مع البعد الديني الشيعي الذي يحمل بدوره ذاكرة تاريخية مشبعة بسرديات الاضطهاد والمعاناة التي تعرض لها الشيعة عبر نحو أربعة عشر قرنا من التاريخ الإسلامي.
إن هذا التداخل بين القومي والديني يمنح الخطاب السياسي الإيراني قدرة كبيرة على تعبئة المجتمع في مواجهة ما يوصف بأنه عدوان خارجي تقوده قوى أجنبية. وفي مثل هذه الظروف يصبح مفهوم الانتقام جزءا من الهوية الجماعية وليس مجرد رد فعل عسكري محدود. فالثأر في المخيال السياسي الإيراني لا يرتبط فقط برد الاعتبار العسكري بل يتصل أيضا بفكرة الكرامة الوطنية والدينية التي يجب الدفاع عنها مهما كانت الكلفة.
ويزداد هذا العامل حساسية إذا كان الصراع قد أدى إلى مقتل شخصية تمثل أعلى رأس في الهرم الروحي والعسكري والسياسي الإيراني. ففي مثل هذه الحالة يصبح مطلب الثأر متجذرا في الوعي الجمعي للمجتمع الإيراني ويصعب على القيادة السياسية تجاهله أو التراجع عنه دون تحقيق شكل من أشكال الرد الذي يعيد التوازن الرمزي والمعنوي. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستقرران وقف الحرب، بل يتعلق أيضا بما إذا كانت إيران ستعتبر أن الرد الذي قامت به حتى الآن كافيا لاستعادة التوازن أم أنها ستواصل ضرباتها الصاروخية لفترة أطول.
في سيناريو محتمل قد تحاول الولايات المتحدة إنهاء الحرب بطريقة أحادية عبر إعلان تحقيق أهدافها العسكرية الأساسية. فقد تشير بعض التحركات العسكرية الأميركية إلى هذا الاتجاه، ومن بينها استدعاء القاذفات الاستراتيجية الضخمة ذات القدرة التدميرية الهائلة إلى ساحة المعركة. مثل هذه القاذفات تستخدم عادة لتوجيه ضربات شديدة القوة ضد منشآت محصنة أو أهداف استراتيجية عالية القيمة. وإذا نجحت الولايات المتحدة في توجيه ضربة قاصمة لما تبقى من الإمكانات النووية الإيرانية فقد تعلن بعد ذلك أنها حققت الهدف الأساسي للحرب.
في هذه الحالة قد يخرج ترامب ليعلن أن النظام الإيراني أصبح ضعيفا وأن الكرة باتت في ملعب الشعب الإيراني الذي يجب أن يقرر مستقبله بنفسه. هذا النوع من الخطاب يتيح لواشنطن إعلان الانتصار سياسيا دون الدخول في مرحلة أكثر خطورة من الصراع قد تتطلب تدخلا بريا أو مواجهة إقليمية واسعة. لكنه في الوقت نفسه لا يضمن أن تقبل إيران بهذه الرواية أو أن تتوقف عن استخدام أدواتها العسكرية للرد على الضربات التي تعرضت لها.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية في هذا الصراع. فالحروب يمكن أن تنتهي بقرار سياسي من طرف واحد، لكن آثارها النفسية والاستراتيجية لا تختفي بسهولة. وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان فعلا عن مخرج يوقف الحرب قبل أن تتحول إلى استنزاف طويل، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحا هو ما إذا كانت إيران ستتعامل مع هذا المخرج بوصفه نهاية للصراع أم مجرد محطة في صراع أطول لم يصل بعد إلى نهايته.
أقلام وأراء
الخميس 12 مارس 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
هل تقترب الحرب مع إيران من نهايتها أم من فصل جديد؟