تصاعدت في الآونة الأخيرة المخاوف الدولية من انعكاسات الصراعات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط على البنية التحتية الحيوية، ولا سيما قطاع المياه الذي يعاني أصلاً من أزمات هيكلية. ومع استمرار الهجمات المتبادلة بين أطراف النزاع الإقليمي، تبرز محطات تحلية المياه كأهداف محتملة قد تؤدي إصابتها إلى كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن التوترات الراهنة، التي شملت هجمات صاروخية ومسيرات، لم تعد تقتصر على الأهداف العسكرية الصرفة، بل امتدت لتشمل تهديدات مبطنة للمنشآت المدنية. وتخشى الأوساط التقنية أن يؤدي أي استهداف لمرافق الطاقة والمياه إلى شلل تام في إمدادات الحياة الأساسية لملايين السكان في المنطقة.
وتمتلك منطقة الشرق الأوسط حصة ضئيلة جداً من الموارد المائية المتجددة لا تتجاوز 2% عالمياً، في حين تغطي الصحراء والندرة المائية نحو 83% من مساحتها الإجمالية. هذا الواقع الجغرافي يجعل من الاعتماد على التكنولوجيا والتحلية خياراً وحيداً للبقاء، ولكنه في الوقت ذاته يمثل نقطة ضعف استراتيجية في أوقات الحروب.
وتوقعت تقارير صادرة عن معهد الموارد العالمية أن يواجه كافة سكان المنطقة ندرة حادة في المياه بحلول عام 2050 إذا استمرت معدلات الاستهلاك والتغير المناخي الحالية. وتزيد النزاعات المسلحة من تعقيد هذه التوقعات، حيث تعطل مشاريع التطوير وتدمر الأصول القائمة التي كلفت مليارات الدولارات.
وتمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ثقلاً عالمياً في صناعة التحلية، حيث تستحوذ على نحو 41.8% من القدرة الإنتاجية العالمية عبر أكثر من 5 آلاف محطة. وتنتج هذه المنشآت الضخمة ما يقارب 29 مليون متر مكعب من المياه يومياً، مما يجعلها العمود الفقري للأمن القومي المائي.
وتخطط دول المنطقة لرفع هذه القدرة الإنتاجية إلى الضعف تقريباً خلال السنوات الأربع القادمة، استجابة للنمو السكاني المتزايد والاحتياجات الصناعية. ومع ذلك، فإن هذه الاستثمارات الضخمة تظل رهينة الاستقرار السياسي والأمني، حيث تعتبر المحطات الكبرى أهدافاً سهلة في حال اندلاع مواجهات شاملة.
وتتصدر دول الخليج قائمة الدول الأكثر اعتماداً على تحلية مياه البحر، حيث تعتمد الكويت مثلاً على هذه التقنية لتوفير 90% من مياه الشرب. وتبلغ القدرة الإنتاجية للمرافق الكويتية نحو 2.2 مليون متر مكعب يومياً، مما يضعها ضمن أكثر خمس دول معاناة من نقص المياه الطبيعية في العالم.
تدمير محطات التحلية الكبرى قد يضع دول المنطقة أمام تحديات وجودية ويجبر مدناً كبرى على الإخلاء في غضون أيام.
أما المملكة العربية السعودية، فتعد اللاعب الأكبر عالمياً في هذا المجال، حيث تلبي 70% من احتياجاتها المائية عبر التحلية وتنتج وحدها ربع القدرة العالمية. وتدير المملكة أكثر من 30 محطة في مواقع استراتيجية، وتطمح لرفع إنتاجها إلى قرابة 18 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2030 ضمن رؤيتها التنموية.
وفي الإمارات العربية المتحدة، تساهم محطات التحلية بنحو 42% من مياه الشرب بإنتاج يومي يتجاوز 7 ملايين متر مكعب عبر 70 محطة رئيسية. وتعتبر هذه المنشآت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، حيث يصل إنتاج بعض المحطات المنفردة إلى مليوني متر مكعب يومياً.
وعلى الجانب الآخر، تعتمد إيران بشكل أساسي على المصادر التقليدية والسدود، إلا أن سنوات الجفاف الخمس الأخيرة أوصلت مخزوناتها إلى مستويات حرجة. وتحاول طهران حالياً زيادة قدراتها في التحلية لمواجهة العجز المائي، لكنها تظل متأخرة تقنياً مقارنة بجيرانها في دول الخليج.
وتشير تقارير استخباراتية سابقة إلى أن الاعتماد على عدد محدود من 'المحطات الضخمة' يرفع من مستوى المخاطر الأمنية بشكل كبير. ففي حال تعرض هذه المحطات لضربات عسكرية، قد تجد مدن كبرى مثل الرياض نفسها مضطرة للإخلاء خلال أسبوع واحد فقط بسبب انقطاع الإمدادات.
وفي سياق متصل، تبرز إسرائيل كقوة تقنية في إعادة استخدام المياه والتحلية، حيث تنتج محطاتها الكبرى مثل عسقلان وسوريك نحو 1.91 مليون متر مكعب يومياً. وتستخدم إسرائيل هذه القدرات كأداة استراتيجية في إدارة مواردها المائية، بعيداً عن المصادر الطبيعية المحدودة والمشتركة.
إن الهجمات المحتملة على هذه البنية التحتية لن تقتصر آثارها على الجوانب الاقتصادية، بل ستمتد لتخلق أزمات نزوح جماعي وتدهوراً في الصحة العامة. وتؤكد مصادر فنية أن إصلاح الأضرار في محطات التحلية المعقدة قد يستغرق شهوراً طويلة، مما يترك السكان بلا بدائل حقيقية.
ختاماً، يظل الأمن المائي في الشرق الأوسط رهيناً بمدى قدرة الأطراف الإقليمية على تجنيب المنشآت المدنية ويلات الصراع المسلح. فالمياه التي تعد عصب الحياة في هذه المنطقة القاحلة، تحولت إلى سلاح استراتيجي وهدف عسكري يهدد استقرار المنطقة بأكملها في المستقبل القريب.





شارك برأيك
صراعات الشرق الأوسط تضع الأمن المائي على حافة الهاوية وسط تهديدات للبنية التحتية