أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارة تفقدية لحاملة الطائرات 'شارل ديغول' المتمركزة قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية أن بلاده تتهيأ لنزاع قد يطول أمده في منطقة الشرق الأوسط. وأوضح ماكرون أن باريس استنفرت قوات بحرية وجوية ضخمة لضمان انتشار عسكري مستدام، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية من التصعيد قد تستمر لعدة أسابيع إضافية.
وربط الرئيس الفرنسي أمد الصراع الحالي بالأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ بدء العمليات العسكرية ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وأبدى ماكرون تحفظه على فكرة تغيير الأنظمة السياسية عبر القوة العسكرية، معتبراً أن القصف الجوي وحده لا يمكنه إحداث تحولات جذرية في البنى السياسية القائمة بالمنطقة.
وشدد ماكرون على أن الدور الفرنسي في هذه الحرب يتسم بالطابع 'الدفاعي البحت'، حيث تم نشر ثماني فرقاطات وحاملتي مروحيات برمائيتين إلى جانب حاملة الطائرات الرئيسية. ويمتد هذا الانتشار العسكري من شرق البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، بهدف حماية المصالح الفرنسية وتأمين الشركاء الإقليميين.
وفي رسالة سياسية قوية من قبرص، أكد ماكرون أن أمن الجزيرة يمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأوروبي، مصرحاً بأن 'أي اعتداء على قبرص هو اعتداء على أوروبا'. وجاءت هذه التصريحات بعد تعرض الجزيرة لهجمات بطائرات مسيرة، مما دفع فرنسا لتركيز جهودها الدفاعية في محيطها المباشر لضمان استقرار الاتحاد الأوروبي.
من جانبه، أيد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الموقف الفرنسي، مؤكداً أن الدول الأوروبية لن تقبل بتعريض أي شبر من أراضيها للخطر. وأشار ميتسوتاكيس إلى أن التحركات العسكرية الحالية تهدف إلى الردع والدفاع فقط، وهي بعيدة كل البعد عن الرغبة في الدخول في اشتباكات عسكرية مباشرة أو عمليات هجومية.
وكشف ماكرون عن تفاصيل العمليات الميدانية، موضحاً أن القوات الفرنسية نفذت بالفعل عمليات اعتراض ناجحة خلال الأيام القليلة الماضية بالتعاون مع شركائها. ولم يخض الرئيس الفرنسي في التفاصيل التقنية لهذه العمليات، لكنه أكد أنها تأتي في إطار الالتزامات الدفاعية لفرنسا تجاه حلفائها الذين تعرضوا لتهديدات مباشرة.
وفيما يخص أمن الملاحة في البحر الأحمر، أعلنت باريس عن تخصيص فرقاطتين للمشاركة طويلة الأمد في عملية 'أسبيدس' التي يقودها الاتحاد الأوروبي. وتهدف هذه المهمة، التي انطلقت تحت قيادة يونانية، إلى حماية السفن التجارية من التهديدات المتزايدة في الممرات المائية الحيوية التي تربط الشرق بالغرب.
لا أعتقد أننا نستطيع تحقيق تغييرات جذرية في الأنظمة السياسية أو الأنظمة القائمة بمجرد شن عمليات قصف.
ودعا رئيس الوزراء اليوناني القادة في الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة تعزيز المهمات البحرية بمزيد من القطع الحربية لمواجهة التحديات الأمنية المتسارعة. وفي سياق متصل، أعربت رئاسة المفوضية الأوروبية عن استعدادها لتطوير آليات الإسناد البحري وزيادة وتيرة التنسيق مع قادة دول الشرق الأوسط لضمان استقرار الممرات الملاحية.
وتطرق ماكرون إلى ملف الطاقة، مشيراً إلى أن فرنسا تعد لمهمة إسناد بحري تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل تدريجي أمام ناقلات النفط والغاز. واعتبر أن هذه الخطوة ضرورية لاستقرار التجارة الدولية والحد من الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة الذي نتج عن إغلاق المضيق بسبب العمليات العسكرية الجارية.
وأوضح الرئيس الفرنسي أن هذه المهمة 'السلمية' يتم التنسيق بشأنها مع شركاء دوليين من خارج الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الهند ودول آسيوية أخرى. وأشار إلى إمكانية توجه حاملة الطائرات 'شارل ديغول' نحو منطقة الخليج ومضيق هرمز في حال نضوج الترتيبات الدولية لهذه المهمة الجماعية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أجرى ماكرون اتصالات مكثفة شملت الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث سبل خفض التصعيد. وحث ماكرون كافة الأطراف على ممارسة ضبط النفس لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها الإنسانية والاقتصادية.
وفي الشأن اللبناني، جدد ماكرون دعوته لحزب الله بضرورة وقف كافة الهجمات المنطلقة من الأراضي اللبنانية فوراً لتجنيب البلاد ويلات الحرب. وطالب في الوقت ذاته إسرائيل بوقف ضرباتها الجوية وعملياتها العسكرية على لبنان، معتبراً أن ذلك هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة اللبنانية الكاملة على أراضيها.
وشدد الرئيس الفرنسي على أهمية تمكين القوات المسلحة اللبنانية، بصفتها الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بحمل السلاح، من بسط سيطرتها وتأمين الحدود. وأكد أن استقرار لبنان يمثل أولوية قصوى للسياسة الخارجية الفرنسية، وأن باريس ستواصل الضغط من أجل الوصول إلى حل ديبلوماسي يحفظ وحدة الأراضي اللبنانية.
ختاماً، تبرز التحركات الفرنسية الأخيرة رغبة باريس في لعب دور المحقق للتوازن في منطقة تعصف بها الأزمات، مع التركيز على حماية المصالح الاقتصادية والأمنية الأوروبية. وتظل حاملة الطائرات 'شارل ديغول' رأس الحربة في هذه الاستراتيجية التي تمزج بين الردع العسكري والوساطة الدبلوماسية في آن واحد.





شارك برأيك
ماكرون من على متن 'شارل ديغول': قواتنا في حالة استنفار دفاعي لمواجهة نزاع طويل بالمنطقة