تحليل

الأحد 08 مارس 2026 5:04 مساءً - بتوقيت القدس

من حرب الاثني عشر يوماً إلى حرب شباط: المسار المتدرّج للعدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران

واشنطن – سعيد عريقات- 8/3/2026

تحليل إخباري

تكشف تطورات العامين الماضيين في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مساراً متدرجاً من الحروب والهدن المؤقتة، ما يعكس نمطاً متكرراً في إدارة الصراعات الكبرى حيث تتعاقب جولات القتال مع فترات توقف قصيرة لإعادة ترتيب الحسابات العسكرية والسياسية. ويُظهر التسلسل الزمني للأحداث أن قرار وقف إطلاق النار الذي أُعلن في منتصف عام 2025 لم يكن نهاية للمواجهة، بل محطة انتقالية بين حربين.

بدأت هذه المرحلة في 13 حزيران 2025 عندما شنت إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، حرباً واسعة على إيران عُرفت لاحقاً باسم "حرب ألاثني عشر يوماً". وقد هدفت تل أبيب، بحسب تقديرات عسكرية، إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإعادة تثبيت معادلة الردع التي كانت قد تآكلت بفعل التوترات المتراكمة في المنطقة. إلا أن الردود الإيرانية، سواء المباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين، رفعت مستوى المخاطر وفتحت الباب أمام احتمال توسع المواجهة لتتحول إلى حرب إقليمية أوسع.

في خضم تلك الحرب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 23 حزيران 2025 وقف إطلاق النار بعد اثني عشر يوماً من القتال. وقد قُدم القرار آنذاك على أنه خطوة تهدف إلى احتواء الحرب ومنع اتساعها في الشرق الأوسط. غير أن القراءة اللاحقة لهذا القرار داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن دفعت عدداً من المحللين إلى اعتباره أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى تسوية مستدامة، خصوصاً أنه لم يترافق مع مسار دبلوماسي واضح أو مفاوضات سياسية يمكن أن تقود إلى تهدئة طويلة الأمد.

وخلال الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار، ساد هدوء نسبي استمر قرابة ثمانية أشهر. غير أن هذا الهدوء لم يُفسَّر على نطاق واسع باعتباره نهاية للحرب، بل كمرحلة لإعادة التقييم وإعادة التموضع. فقد منحت تلك الفترة واشنطن وتل أبيب فرصة لمراجعة نتائج الجولة الأولى من القتال وإعادة ترتيب استعداداتهما العسكرية، في حين عملت طهران على تعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد لاحتمالات مواجهة جديدة.

وتشير التجارب التاريخية في إدارة النزاعات الدولية إلى أن فترات التهدئة بين الحروب غالباً ما تُستخدم لإعادة بناء القدرات العسكرية أو تعديل الخطط الإستراتيجية، لا سيما عندما لا تكون الأطراف مستعدة لخوض حرب طويلة في لحظة معينة. وفي هذا السياق، بدا وقف إطلاق النار في صيف 2025 أقرب إلى مرحلة انتقالية في صراع مستمر، وليس نقطة نهاية له.

وبعد نحو ثمانية أشهر من الهدوء النسبي، عادت المواجهة إلى الواجهة عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط 2026 حرباً واسعة ضد إيران بدت أكثر اتساعاً من الحرب السابقة، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو مستوى التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب.

وبحسب روايات متعددة، ركزت الضربات الأولى على استهداف بنية القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين العسكريين. وتشير تقديرات أولية إلى سقوط عدد كبير من القيادات الإيرانية في تلك الضربات، في إطار محاولة لإحداث صدمة داخل بنية النظام السياسي والعسكري.

إلى جانب الأهداف العسكرية، برزت تقارير عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، ما أضفى بعداً إنسانياً حساساً على الحرب. ومن بين أكثر الحوادث إثارة للجدل ما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز" عن مقتل ما لا يقل عن 158 فتاة من طالبات مدرسة "الشجرة الطيبة" نتيجة قصف أميركي، وهو ما أثار ردود فعل واسعة في وسائل الإعلام وبين منظمات حقوق الإنسان.

في المقابل، واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدفاع عن إستراتيجية الضغط العسكري المكثف، معتبراً أن الحرب قد تدفع إيران في نهاية المطاف إلى القبول بشروط جديدة أو تعديل سياساتها الإقليمية. ويستند هذا التقدير إلى فرضية مفادها أن تراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن يضعف قدرة النظام الإيراني على مواصلة المواجهة لفترة طويلة.

غير أن هذا التقدير لا يحظى بإجماع داخل دوائر التحليل الاستراتيجي. فإيران لا تزال تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين، إضافة إلى قدرات صاروخية وعسكرية يمكن أن تسهم في توسيع نطاق الحرب إذا ما قررت الرد بشكل أوسع. كما أن المواجهة لا تقتصر على بعدها العسكري المباشر، بل ترتبط أيضاً بتوازنات القوى الإقليمية ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

ويشير التسلسل الزمني للأحداث منذ صيف 2025 إلى نمط واضح في إدارة هذا الصراع، حيث تتعاقب الحروب مع فترات هدنة مؤقتة تسمح للأطراف بإعادة تقييم الميدان والاستعداد لجولات جديدة. فوقف إطلاق النار الذي أُعلن في حزيران 2025 لم يفتح مساراً دبلوماسياً واضحاً بقدر ما مهّد الطريق لحرب لاحقة أكثر اتساعاً.

وفي الوقت نفسه، يظل الرهان على استهداف القيادة العليا للدول كوسيلة لإحداث تغيير سريع في سلوكها إستراتيجية مثيرة للجدل في النزاعات الحديثة. فقد أظهرت تجارب عديدة أن هذا النوع من العمليات قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية، إذ يعزز التماسك الداخلي ويمنح القيادة السياسية فرصة لتعبئة المجتمع حول خطاب المواجهة.

وفي الحالة الإيرانية تحديداً، قد يؤدي الضغط العسكري الخارجي إلى تعزيز النزعة القومية داخل المجتمع الإيراني وتوسيع دائرة الدعم للنظام، الأمر الذي قد يجعل الحرب أكثر تعقيداً وطولاً. وبذلك، تبدو المواجهة الحالية جزءاً من صراع استراتيجي ممتد قد يتواصل عبر مراحل متعاقبة من الحروب والهدن، بدلاً من أن يُحسم في جولة عسكرية واحدة.

دلالات

شارك برأيك

من حرب الاثني عشر يوماً إلى حرب شباط: المسار المتدرّج للعدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.