صدر في مطلع هذا العام (2026) عن "المؤسسة العربية للنشر والتوزيع" في بيروت كتاب "روضة المعارف 1لوطنية بالقدس: تاريخ يأبى النسيان (1906-1948)" لمؤلفه "أ. د. سيد علي إسماعيل"، ، يقع في (591) صفحة يتوزع عليها مقدمة وتمهيد و(13) عنوانًا رئيسًا: تتبع الباحث في (9) عناوين منها الأعوام الدراسية للروضة/المدرسة/الكلية قيد النقاش (بين 1906 والنكبة عام 1948) والعنوان العاشر لـ "مجلة روضة المعارف"، والحادي عشر للـ "القاعة الكبرى" التابعة لهذه المؤسسة المقدسية، والعنوانين "12-13" لأنشطة الروضة/المدرسة/الكلية من خلال قاعة الروضة والنادي الذي يحمل اسمها.
بقراءة متمعنة لهذا الكتاب، نجد أن ثيمته "قضيته الرئيسة" هي تتبع المسار اليومي لـ "روضة المعارف الوطنية بالقدس" منذ أنشأها الشيخ "محمد الصالح" (1867-1940) كتّابًا باسم "روضة المعارف الوطنية" عام 1906، في بقايا المدرسة الجاولية -مملوكية- تحت شعار "العلم والقوة"، ولغة تدريسها هي اللغة العربية، وعندما قرر الشيخ محمد الصالح إنشاء روضة المعارف عام 1906، أن تكون "وطنية" - أي أهلية أو خاصة – كان يهدف إلى أن يحميها من سطوة قوانين التعليم المطبقة على المدارس الأخرى في فترة الحكم العثماني.
اعتمد الباحث على مصادر أولية، تتمتع بكامل الحقيقة الصادقة والدقيقة، فتبيّن أن مسار هذا الصرح العلمي متعدد الأبعاد؛ إذ لم يقتصر على الأبعاد التربوية والعلمية والتثقيفية وحسب، وإنما هناك أبعاد وطنية وسياسية وحتى أمنية، تتمثل بالصراع الصدامي مع سلطة الاحتلال، فشكلت تلك الأبعاد -في مجموعها- صخرة صلبة تحطمت عليها محاولات الاحتلال البريطاني، بتحريض صهيوني، طمس هذا الصرح التربوي-الوطني، الذي اعتلى صهوته سماحة مفتي القدس الحاج أمين الحسيني -داعمًا ومؤازرًا- وقادة الفكر من الوطنيين الفلسطينيين من آل الحسيني، والخالدي، والنشاشيبي، وغيرهم من شخصيات القدس ومحيطها الجغرافي، في صراعهم مع الطرف الآخر المناوئ للهوية العربية لفلسطين وعاصمتها القدس.
تتبع الباحث نموّ هذا الصرح العلمي المقدسي، في الفترة العثمانية، التي انتهت بالاحتلال البريطاني عام 1917. فقد بقي كتّابًا حتى عام 1910، فأصبحت في العام الدراسي 1910/1911 أهم المدارس الابتدائية في القدس، وزارها العالم الأديب الهندي "نظامي الدلهوي" في 11/07/1911، وشكلت في ذلك العام فريق شافة، لتصبح أول مدرسة فلسطينية بها فريق كشافة، وتعزز وضع المدرسة بتعيين المؤسس -الصالح- إمامًا في 12/12/1912، فبرزت كمدرسة إسلامية في القدس، وفي 27/06/1914 هناك وثيقة موقعة من (60) شخصية وقد شهدوا بأن "مدرسة روضة المعارف" "المدرسة الأهلية الإسلامية العثمانية الوحيدة في القدس".
استمرت المدرسة في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى، إلا أنها توقفت حتى نهاية الحرب في خريف عام 1917، فأعاد الشيخ الصالح تأسيسها خارج باب الساهرة بالقدس، تحت نفس الشعار "العلم والقوة"، بمشاركة كل من: حسن أبو السعود، وإسحق درويش، وعبد اللطيف الحسيني، فشرعوا بالتعليم في شهر آذار (3) عام 1918، وانتهى العام الدراسي في شهر تموز (07)/1918.
أخذت المدرسة تتدرج في الأعوام الدراسية التالية 1918/1919، و1919/1920، و1920/1921، وتنشر أخبارها في صحف تلك الفترة، كالقدس الشريف، ومرآة الشرق، والكرمل، وفلسطين. وقد أصبحت المدرسة تزداد أهمية في نظر الوطنيين، الذين أخذوا يتعرفون على رسالتها الوطنية من خلال حفلاتها التكريمية، التي كان أولها حفل "المنتدى الأدبي والنادي الأدبي" الذي شاركت فيه الروضة في آذار (3)/1920.
جاء العام الدراسي 1921/1922 بأحداث تاريخية ومفصلية في المسار السياسي للقدس، ففي ذلك العام تولى «الحاج محمد أمين الحسيني» منصب الإفتاء في القدس، وأصبح رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى والمشرف على إدارة الأوقاف الإسلامية بالقدس، فنجح في استرداد أموال الأوقاف من الإنجليز، وعمل على إحياء الأوقاف المندرسة (٥) أي المعطلة، فكرّس جزءًا من إمكاناته هذه لدعم "مدرسة/روضة المعارف" كمدرسة وطنية مسلمة، وتوفير الأماكن الواسعة والفسيحة، التي تتألف من عشرات الغرف، مقابل أجرة زهيدة وشروط مختلفة، منها: قبول (10) تلاميذ فقراء كل سنة.
شهد هذا العام على صدور "مجلة روضة المعارف" كمجلة مدرسية علمية تهذيبية. كما التفتت إدارة المدسة إلى رياضة كرة القدم، وإلى الكشافة، وأخذ ضيوف القدس من الشخصيات العالمية والعربية والإسلامية يزورون المدرسة ويسجلون مشاهداتهم وآرائهم، كالشاعر العراقي "معروف الرصافي". بهذا، اعتبر هذا العام الدراسي 1921/1922 العام التأسيسي الأول.
ننتقل الباحث "أ. د. سيد إسماعيل" بهذه المؤسسة التعليمية المتميزة إلى الأعوام التالية، بدءًا بالعام الدراسي 1922/1923، الذي كان أول أعوام الصدام؛ إذ بدأت الدراسة بداية ساخنة، حيث شعرت المدرسة بأن وزارة المعارف - التابعة للاحتلال الإنجليزي والهيمنة الصهيونية - تناصبها العداء، كونها المدرسة الوطنية الوحيدة في القدس، التي تقف في وجه الاحتلال الإنجليزي والتخطيط الصهيوني، بتدريسها المقررات باللغة العربية، وتربي طلابها على شعار «العلم والقوة» من خلال بث روح الوطنية والمقاومة. فحاول الاحتلال وضع شروطه، بالتفتيش والمراقبة، على هذه المدرسة وشبيهاتها من المدارس الوطنية، بخاصة "مدرسة النجاح الوطنية"، مقابل منح كل منهما مبلغ (80) جنيهًا مصريًّا، فتم رفض هذا كله من قبل المدرستين.
لقد نجحت "مدرسة المعارف" في مواجهة ضغوطات الاحتلال، وانطلقت في دورها العلمي والتعليمي، والتهذيبي، والوطني والتعبوي، وأصبح كشافة الروضة كأنهم جيش فلسطيني من طلاب صغار السن، في مشاهد تستفز بوليس الاحتلال البريطاني، وأصبحت قاعتها الرئيسة تعجّ بالاحتفالات الهادفة، والمنظمة، في المناسبات المختلفة؛ الوطنية، والدينية، والرياضية، والمسابقات العلمية، واستقبال ضيوف القدس القادمين إليها من كل حدب وصوب.
تعزيزًا لدورها الوطني والقومي أضاف الشيخ المؤسس كلمة العربية لإسم المدرسة، فأصبحت "مدرسة روضة المعارف الوطنية العربية"، وأخذت تحرص على قبول تلاميذ مسيحيين، إلى جانب المدرسين المسيحيين، وأصبح المسلم يجلس بجانب أخيه المسيحي ويتلقنان معا مبادئ العلم والأخلاق حتى يمتزجا ويشتغلا في مستقبلهما يدا واحدة. واستمرت المدرسة بالتطور، بتوفير الإنارة بالكهرباء، وإيصال المياه بالمواسير، وأصبح يحق لخريج الروضة الالتحاق بالجامعة الأميركية في القاهرة وبيروت.
بذلك، أغلقت المدرسة معظم الأبواب أمام الاحتلال للنيل منها بأي حال من الأحوال، واستمرت في فعلها الوطني، فأسهمت بقوة في رفض زيارة "بلفور" -صاحب الوعد المشؤوم في آذار/رمضان 1925، من خلال نشاط مسرحي هادف لطلبتها في 31/03/1925.
هكذا، تربعت "مدرسة روضة المعارف الوطنية العربية"، التي تغير اسمها في تموز (7)/1926 إلى "كلية روضة المعارف الوطنية"، في مكانة متميزة أكثر وضوحًا وإقدامًا في الواقع السياسي والوطني، إلى جانب التربية والتعليم والتهذيب. وانطلقت في الأعوام الدراسية التالية حتى النكبة عام 1948، مرورًا بثورة البراق (1929)، ومقاومة هجرة اليهود إلى فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين، التي شهدت على استيلاء حكومة الاحتلال البريطاني على بناية كلية روضة المعارف الكبيرة في عام 1937، وثورات الشعب الفلسطيني، وإضراب عام 1936، والسنوات العجاف في الحرب العالمية الأولى...
لقد كانت السنة الدراسية 1947/1948 آخر عام دراسي للروضة، حيث رضخت إدارة الكلية إلى قرار "إدارة المعارف الاحتلالية" بتقديم موعد فحص المتركيوليشن إلى يوم 30/3/1948 وإعلان النتائج وتوزيع الشهادات قبل انسحاب الإدارة الحكومية الحالية من فلسطين فى منتصف شهر أيار (5)/1948 المقبل، فألغت إدارة الكلية عطلة الربيع وأنهت سنتها الدراسية في نهاية شهر نيسان من هذا العام، ذلك الشهر الذي شهد على مذبحة دير ياسين وعلى استشهاد القائد "عبد القادر الحسيني" رحمه الله.
ختامًا،
بعد رحلة معرفية رصينة بين ثنايا هذا المؤلّف العلميّ الرصين، الذي يشكل إضافة نوعيّة وكمية إلى السردية الوطنية الفلسطينية على وجه العموم، وإلى السردية المقدسية على وجه الخصوص، لا يمكننا المغادرة قبل أن تلهج ألسنتنا بالثناء والتقدير للأستاذ الدكتور "سيد إسماعيل"، الذي لم يتوقف عند تتبع المسار التعليمي لهذا الصرح العلمي، خلال نحو نصف قرن، وإنما خصص مساحة واسعة وكافية للحديث عن مجلة "روضة المعارف"، وقاعتها الكبرى، وأنشطة طلبتها، وناديها.
لقد حرص أ. د. "سيد إسماعيل" على تسليط الضوء على أحداث كبرى خلال الفترة قيد الدراسة، شكلت جزءًا مهما من السيرة السياسية للقدس وللمنطقة العربية والشرق الأوسط، وشخصيات عالمية ووطنية وعربية ورد ذكرها في عديد المواضيع، كالحاج أمين الحسيني، و"وينستون تشرشل" وزير المستعمرات البريطاني، واللورد "بلفور" صاحب الوعد المشؤوم، ومولاي "محمد علي" الزعيم الهندي، وزعيم تونس "عبد العزيز الثعالبي"، و"إسماعيل صدقي" وزير الداخلية المصرية، وغيرهم كثير من الشخصيات، الذين زاروا القدس، فحرصوا على زيارة "كلية روضة المعارف"، وأشادوا بها كصرح علميّ لا يشقّ له غبار.
من قلب القدس النابض بالحب لأحرار الأمة ومفكريها، نزجي التحية وبالغ التقدير والاحترام لابن مصر الكنانة الباحث "أ. د. سيد إسماعيل"، وللمفكر الفلسطيني "أ. ماهر الكيالي" صاحب "المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وقد شكلا ثنائيًّا مصريًّا-فلسطينيًّا أنتج سفرًا علميًّا مهمًّا، يفتح للأجيال القادمة من الباحثين أفاقًا معرفية تعمق فهم واقع فلسطين وعاصمتها القدس، في فترة تاريخية ينشط الآخر على سرقتها ونهبها وتزويرها من أجلى نفي الهوية العربية والاسلامية عن فلسطين الأرض والحضارة والتاريخ.
أقلام وأراء
الأحد 08 مارس 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
سيد إسماعيل في كتابه "روضة المعارف الوطنية بالقدس تاريخ يأبى النسيان (1906-1948)" التوثيق لنصف قرن من صمود المقدسيين وإبداعاتهم