أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 يوليو 2026 12:48 مساءً - بتوقيت القدس

على بريطانيا أن تعترف بدورها في تهجير الفلسطينيين وتواجه مسؤوليتها التاريخية

بعد مرور 75 عاماً، لا تزال الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين تُخفق في توفير الحماية التي وُعد بها الفلسطينيون، ويتعين على بريطانيا أن تواجه مسؤوليتها عن الأسباب التي أفضت إلى هذا الواقع، كما يكتب فيكتور قطان.

اليوم، تحيي الحكومات حول العالم الذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية اللاجئين لعام 1951. وستُلقى الخطابات لتشيد بما يُعد أحد أبرز إنجازات المجتمع الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية: والمتمثل في عهدٍ ملزم بألا يُترك أولئك الفارّون من الاضطهاد أبداً دون حماية.

غير أن الفلسطينيين، وهم أطول الشعوب لجوءاً في العالم المعاصر، قد أمضوا تلك الأعوام الـ 75 بمعزل إلى حد كبير عن الحماية الكاملة التي توفرها الاتفاقية، فيما لا يزال أحفاد نحو 700 ألف فلسطيني هُجّروا عام 1948 بلا وطن.

وهذا الواقع هو نتيجة قرارات اتخذتها الدول، ولا تتحمل أي دولة مسؤولية أكبر من بريطانيا عن سلسلة الأحداث التي أدت إلى نشوء هذه الأزمة واستمرارها.

وتتصدى حملة "Britain Owes Palestine" لهذا التاريخ، حيث قَدَّمت عريضة قانونية مكونة من 400 صفحة إلى الحكومة البريطانية نيابة عن 14 مقدّماً فلسطينياً للعريضة.

وكان المقدّم الرئيسي للعريضة، منيب المصري، قد ولد في نابلس عام 1934. وعندما كان طفلاً، شهد العمليات العقابية التي نفذها الجيش البريطاني خلال الثورة العربية الكبرى. وفي سن المراهقة عام 1947، أصيب برصاصة في ساقه أطلقها جنود بريطانيون خلال مظاهرة. ثم شهد حالة الفوضى التي رافقت انسحاب بريطانيا، ووصول آلاف الفلسطينيين إلى نابلس بعد طردهم من منازلهم خلال النكبة، وهي "الكارثة" التي أدت إلى تهجير نحو 700 ألف فلسطينيٍّ أو فرارهم من ديارهم.

وتختزل حياة المصري بأكملها الحقبة التي تدعونا هذه الذكرى لمراجعتها، كما تتتبع مسؤولية بريطانيا عن هذه الأزمة التي لم تنتهِ فصولها بعد.

بريطانيا هيأت الظروف التي أدت إلى هذه الكارثة

لم تظهر أزمة اللاجئين عام 1948 من فراغ. فقد حكمت بريطانيا فلسطين لمدة ثلاثة عقود بموجب نظام الانتداب، الذي قام على وعود متناقضة لا يمكن التوفيق بينها: استقلالٌ وُعد به العرب في مراسلات حسين – مكماهون، و"وطن قومي" وُعد به الشعب اليهودي في وعد بلفور، ووصاية مقدسة على السكان الأصليين بموجب ميثاق عصبة الأمم، وهو التزام أخفقت بريطانيا إلى حد كبير في الوفاء به.

وكما توضح العريضة القانونية للحملة، فقد غيّرت بريطانيا الواقع القانوني والسياسي والديموغرافي لفلسطين دون موافقة شعبها ودون تفويض قانوني يخولها ذلك.

وقمعت بريطانيا الثورة العربية الكبرى بين عامي 1936 و1939 باستخدام أنظمة طوارئ وعمليات عسكرية تضمنت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ثم، بين عامي 1947 و1948، انسحبت بريطانيا وتركت السكان الذين كانت ملزمة قانونياً بحمايتهم، معرضين لأعمال عنف متوقعة وعمليات تهجير جماعي.

وبحلول الوقت الذي انسحبت فيه بريطانيا في مايو/أيار 1948، كانت الظروف الممهدة للنكبة قد اكتملت أركانها. فلم تخفق بريطانيا في منع واحدة من أطول أزمات اللاجئين بقاءً في العالم فحسب، بل إن قراراتها هي التي ساهمت مباشرة في خلقها.

 

نظام كان يُفترض أن يكون مؤقتاً

عندما اجتمعت الدول لصياغة اتفاقية اللاجئين عام 1951، كان الفلسطينيون المهجّرون يشكلون بالفعل واحدة من أكبر مجموعات اللاجئين وأكثرها حضورًا في العالم. وكانت الاتفاقية، بصيغتها الأصلية، تقتصر على الأشخاص الذين هُجّروا جراء أحداث سبقت عام 1951، وانحصرت في أوروبا، ولم تطبق عالمياً إلا بموجب بروتوكول عام 1967. أما الفلسطينيون الذين هُجّروا عام 1948، فلم يكونوا يندرجون ضمن أحكامها، ولذلك وضعتهم الدول في نظام مؤسسي منفصل خاص بهم.

في ديسمبر/كانون الأول 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194، بدعم من بريطانيا. وأكد القرار حق اللاجئين الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى ديارهم في ممارسة هذا الحق، مع دفع تعويضات لأولئك الذين يختارون عدم العودة أو عن الخسائر والأضرار التي لحقت بممتلكاتهم. وأنشأ القرار "لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين"، والتي طلب منها بتسهيل عودة اللاجئين إلى وطنهم، وإعادة توطينهم، وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً. وبعد عام واحد، أُنشئت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" لتقديم الإغاثة والمساعدات لهؤلاء اللاجئين في هذه الأثناء.

وقد عكست المادة (1د) من اتفاقية اللاجئين هذا الترتيب المنفصل، إذ استبعدت فقرتها الأولى أي لاجئين يتلقون بالفعل حماية أو مساعدة من هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، وكان المقصود عملياً الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا، من نطاق تطبيق الاتفاقية. لكن الفقرة الثانية تضمنت وعداً خاصاً بالفلسطينيين: فإذا توقفت تلك الحماية أو المساعدة دون التوصل إلى تسوية نهائية لوضعهم، فإن الفلسطينيين يصبحون تلقائياً مستحقين للحماية نفسها التي تكفلها الاتفاقية لأي لاجئ آخر.

وكان الهدف من هذا النظام المنفصل ضمان استمرارية حماية الفلسطينيين، وربما توفير حماية أكبر لهم، وليس تركهم خارج إطار الحماية القانونية.

غير أن الواقع جاء مناقضاً تماماً. فقد أصبحت لجنة التوفيق، المكلفة بتحقيق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين، شبه معطلة منذ عقود، وهو العجز الذي ظلت الجمعية العامة للأمم المتحدة تسجله عاماً تلو الآخر.

أما الأونروا، التي تُركت تتحمل المسؤولية وحدها، فلديها تفويض بتقديم المساعدات، لكنها لا تملك أي سلطة لضمان الحلول الدائمة المتمثلة في العودة والتعويض والحماية الوطنية التي يوفرها نظام اللاجئين الدولي للآخرين. وفي المقابل، كثيرًا ما فسّرت الدول والمحاكم الوطنية المادة (1د) باعتبارها استثناءً شاملاً للفلسطينيين، متجاهلةً فقرتها الثانية، الأمر الذي جعل الفلسطينيين، دون سواهم من لاجئي العالم، خارج إطار الحماية الذي أُنشئ ليشمل جميع اللاجئين الآخرين.

ولم تكن بريطانيا مجرد طرف متفرج على هذا النظام. فقد كانت القوة التي أفضى انتدابها إلى تهجير الفلسطينيين، وكانت الراعي للقرار الأممي نفسه الذي وعد بالعودة والتعويض. أي أنها قد صاغت ذلك التعهد، ثم شاهدت الآليات التي أنشئت للإيفاء به وهي تضعف وتتلاشى. إن الاستثناء الذي شكّل حياة الفلسطينيين على مدى ثلاثة أرباع قرن هو أيضاً جزء من إرث بريطانيا.

 

ما الذي نطالب به؟

تعد مطالب عريضة حملة "Britain Owes Palestine"، بأي معيار كان، مطالب متواضعة بالنظر إلى حجم المظالم والانتهاكات التي توثقها؛ إذ تطالب الحكومة البريطانية بالنظر في العريضة وأدلتها بجدية، والبحث في الأرشيف الحكومي والإفراج عن الوثائق التي لا تزال طي الكتمان، والرد بشكل كامل وعلني، والإقرار بالأفعال غير المشروعة التي ارتكبت بين عامي 1917 و1948، وتقديم اعتذار رسمي يلقيه رئيس الوزراء داخل مجلس العموم، فضلاً عن التحقيق بحسن نية في أشكال جبر الضرر والتعويضات المناسبة.

ولطالما أكدت الحكومات البريطانية المتعاقبة التزامها بسيادة القانون، بما في ذلك القانون الدولي، وبضرورة مواجهة الماضي الاستعماري بصدق وشفافية. كما تستشهد بريطانيا باستمرار باتفاقية اللاجئين وحقوق اللاجئين في سياستها الخارجية، وتحاضر دولا أخرى بشأن التزاماتها تجاه اللاجئين. لكنها لا تستطيع القيام بذلك بمصداقية، في الوقت الذي ترفض فيه التعامل مع سردية موثقة حول دورها هي في التسبب بأطول أزمة لجوء في العالم، وفي استمرار فجوة الحماية القانونية التي لا تزال تلازمها حتى اليوم.

إن الاعتراف بدولة فلسطين، الذي بدأت المملكة المتحدة التحرك باتجاهه، هو أمر مرحب به ولكنه ليس كافياً؛ فالاعتراف يعالج المستقبل، ولكنه لا يصلح ما حدث في الماضي. إن الضرر الذي أُلحق بسلامة فلسطين وبشعبها بين عامي 1917 و1948 يستوجب استجابة ومساءلة خاصة به.

تكتسب المناسبات قيمتها عندما تدفع نحو مواجهة الحقائق بصدق. وبينما يحيي العالم مرور 75 عاماً على اتفاقية اللاجئين، تمتلك بريطانيا فرصة لإثبات أن التزامها بحماية اللاجئين يتجاوز مجرد الخطابات، وذلك من خلال التعامل بجدية مع الأشخاص الذين أبقتهم سياساتها وسجلها التاريخي خارج نطاق حماية القانون.

ولا يزال مقدمو العريضة، ومن بينهم أشخاص عاشوا السنوات الأخيرة من عهد الانتداب البريطاني، ينتظرون. ولا ينبغي إجبارهم على الانتظار أكثر من ذلك، كما لا ينبغي لأحفادهم أن يضطروا إلى الانتظار 75 عاماً أخرى.

فيكتور قطان هو أحد المستشارين القانونيين لحملة "Britain Owes Palestine"، وأستاذ مساعد في القانون الدولي العام بجامعة نوتنغهام. كما يشغل منصب نائب مدير مركز نوتنغهام للقانون الدولي والأمن.

 

 

 

دلالات

شارك برأيك

على بريطانيا أن تعترف بدورها في تهجير الفلسطينيين وتواجه مسؤوليتها التاريخية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.