أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين في قلب العاصفة… حين تتقاطع الجبهات وتضيق المساحة

المنطقة اليوم لا تعيش توتراً عابراً، بل تقف على حافة تحولات كبرى. المواجهة المفتوحة – أو شبه المفتوحة – بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد مجرد رسائل ردع متبادلة، بل باتت جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.

وفي قلب هذه العاصفة تقف فلسطين، ليست طرفاً مباشراً في صراع المحاور، لكنها أول من يدفع ثمنه. فكلما اتسعت رقعة الاشتباك الإقليمي، ضاقت مساحة القضية الفلسطينية في الإعلام والسياسة الدولية، وتحولت من ملف مركزي إلى بند مؤجل في جدول أعمال مزدحم بالحروب.

الخطر هنا لا يكمن فقط في التهميش… بل في ما يمكن أن يحدث تحت غطاء هذا التهميش.


حين ينشغل العالم… تتحرك المشاريع الصامتة


التجربة التاريخية تقول إن الاحتلال يُجيد استثمار اللحظات الدولية المضطربة. كل أزمة كبرى في المنطقة كانت دائماً فرصة لإعادة ترتيب الوقائع على الأرض بعيداً عن الأضواء.

اليوم ومع انشغال العواصم الكبرى بحسابات الردع والرسائل العسكرية، يبرز احتمال أن تتحول غزة إلى ساحة تصفية حسابات مؤجلة، تحت عناوين “الأمن” و”محاربة الإرهاب”. وفي مثل هذا المناخ، تتراجع حساسية المجتمع الدولي تجاه حجم الخسائر الإنسانية، ويصبح الضغط السياسي أقل فاعلية.

أما في الضفة الغربية، فالمشهد أكثر تعقيداً وأقل صخباً. هناك، لا تدوي الانفجارات بالقدر ذاته، لكن تتقدم سياسات الضم الزاحف بثبات: توسع استيطاني، مصادرة أراضٍ، إعادة تعريف للصلاحيات الإدارية، وتآكل تدريجي لأي أفق سياسي لدولة مستقلة. كل ذلك يحدث بينما العالم يراقب خرائط الصواريخ، لا خرائط الجغرافيا التي يعاد رسمها بصمت.


أخطر ما في العاصفة: كيّ الوعي في زمن الإحباط


الحروب الكبرى لا تستهلك الجغرافيا فقط، بل تستنزف المعنويات أيضاً. حين يشعر الفلسطيني أن قضيته تتراجع في سلم الأولويات الدولية، قد يتسلل الإحباط إلى الوعي الجمعي. وهنا يُستثمر هذا المناخ لدفع المجتمع نحو أحد خيارين كلاهما مُرهق: إما الغضب غير المنضبط، أو الاستسلام البطيء لواقع يُقدَّم كقدر لا يمكن تغييره.

الحرب الإقليمية لا تؤثر فقط على الأرض، بل على النفس الجماعية أيضاً.

حين يشعر الفلسطيني أن قضيته تتراجع في أولويات العالم، وأن مصيره بات رهينة صراعات لا يملك قرارها، تتسلل حالة من الإحباط. وهنا تحديداً يبدأ الرهان الأخطر: رهان إنهاك الإرادة.

سياسات “كيّ الوعي” لا تحتاج إلى حملات دعائية صاخبة، يكفيها تراكم الأزمات، وضيق الأفق السياسي، وضغط الواقع الاقتصادي، حتى يتحول مطلب التحرر إلى مطلب “الاستقرار تحت أي سقف”.

بهذا المعنى، فإن التهميش الدولي ليس مجرد خسارة دبلوماسية، بل خطر استراتيجي على الروح الوطنية ذاتها.


بين المحاور… خطر التفكك الداخلي


الحروب الكبرى تعيد تشكيل التحالفات. والإقليم اليوم ليس استثناءً. في لحظات الاستقطاب الحاد، تُستدرج القوى المحلية إلى التموضع ضمن محاور متصارعة. وهنا يكمن اختبار النضج السياسي الفلسطيني: هل تتحول الساحة الفلسطينية إلى امتداد لصراع الآخرين؟ أم تحافظ على استقلالية قرارها الوطني؟

تفكك الجبهة الداخلية، أو تعميق الانقسام، هو الهدية الأغلى التي يمكن أن تُقدم للاحتلال في مثل هذه اللحظة. فالمشروع الوطني لا يحتمل أن يُدار بعقلية محاور إقليمية متصارعة، بل برؤية وطنية جامعة تعلو على الحسابات الضيقة.

الاستجابة لا يجب أن تكون انفعالية، بل واعية ومتدرجة:

أولاً: الوحدة ليست شعاراً أخلاقياً، بل ضرورة أمن قومي فلسطيني.

في لحظة إعادة تشكيل المنطقة، لا مكان لانقسام يُضعف الموقف الفلسطيني أو يُربك أولوياته.

ثانياً: الدبلوماسية يجب أن تتحرك كصوت مستقل، لا كصدى لمحور.

كسر حالة التهميش يتطلب خطاباً قانونياً وسياسياً يعيد التأكيد على أن فلسطين ليست ملفاً جانبياً، بل قضية تحرر وحق تقرير مصير وفق القانون الدولي.

ثالثاً: تعزيز الصمود ليس مسألة خدمات، بل استراتيجية بقاء.

في غزة كما في الضفة، تثبيت الناس في أرضهم، دعم الاقتصاد المحلي، حماية التعليم والثقافة، كلها أدوات مقاومة هادئة لكنها عميقة الأثر.

رابعاً: حماية السردية الوطنية أولوية قصوى. في زمن التضليل والاستقطاب، يصبح الحفاظ على الرواية الفلسطينية المتماسكة عملاً سيادياً بامتياز.

لا يجب أن نُبتلع في صراع لا نملكه، فلسطين ليست هامشاً في معادلة إقليمية، لكنها قد تتحول إلى ضحية جانبية إذا لم يُحسن التعامل مع اللحظة.

العاصفة قد تطول، ومحاور الصراع قد تتبدل، لكن الثابت الوحيد هو أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن يُعلّق بانتظار هدوء الإقليم.

السؤال ليس: هل تبتلع الحرب الإقليمية أحلام الدولة؟

السؤال الحقيقي هو: هل نملك من الوعي والوحدة ما يكفي لنمنع ابتلاعها؟

في زمن العواصف، لا تنجو السفن بالضجيج… بل بوضوح البوصلة.

دلالات

شارك برأيك

فلسطين في قلب العاصفة… حين تتقاطع الجبهات وتضيق المساحة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.