تواجه المساعي الدولية الرامية إلى إحداث تغيير جذري في بنية الحكم الإيراني تحديات معقدة، تبرز في مقدمتها حالة التشرذم التي تعيشها قوى المعارضة. ورغم إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل لعمليات عسكرية وأمنية واسعة، شملت تصفية المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، إلا أن غياب الرؤية الموحدة للمستقبل يظل العائق الأكبر أمام القوى الطامحة للإطاحة بالنظام.
دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتزامن مع إطلاق عملية 'الغضب الملحمي'، الشعب الإيراني إلى التحرك المباشر للاستيلاء على مقاليد السلطة. ومع ذلك، بدأت الإدارة الأمريكية في إرسال إشارات متباينة، حيث أوضحت مصادر رسمية أن إسقاط النظام بحد ذاته قد لا يكون الأولوية المطلقة في الوقت الراهن، مقارنة بضرورة ضمان الاستقرار ومنع الفوضى الشاملة.
يرى محللون سياسيون أن السؤال الجوهري لا ينحصر في الرغبة بتغيير النظام، بل في مدى قدرة غياب القيادة العليا على التسبب في انهيار مؤسساتي كامل. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن الفراغ الذي تركه المرشد الأعلى قد لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط الدولة، خاصة في ظل وجود قوى أمنية وعسكرية لا تزال متمسكة بمواقعها.
على صعيد المعارضة في الخارج، يبرز اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، كأحد الوجوه التي تحاول تقديم نفسها كبديل شرعي للسلطة الحالية. ورغم الدعم الذي يحظى به في بعض الأوساط الغربية وبين فئات من المتظاهرين، إلا أن إرث والده الاستبدادي وقربه الحالي من إسرائيل يثيران تحفظات واسعة لدى الأقليات العرقية والقوى الليبرالية.
في المقابل، تواصل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية نشاطها تحت شعار 'لا للشاه ولا للملالي'، معتبرة نفسها القوة الأكثر تنظيماً وقدرة على قيادة المرحلة الانتقالية. لكن المنظمة تواجه بدورها رفضاً شعبياً واسعاً داخل إيران، نتيجة تاريخها في القتال إلى جانب العراق خلال حرب الثمانينات، مما يجعلها طرفاً مستقطباً بامتياز.
أكد خبراء في الشأن الإيراني أن المعارضة باتت اليوم أكثر استقطاباً من أي وقت مضى، رغم المحاولات المتكررة لعقد مؤتمرات توحيدية في عواصم أوروبية. وقد فشلت هذه المبادرات في صياغة ميثاق وطني يجمع بين القوى الملكية واليسارية والقومية، مما أضعف الزخم الذي تولد خلال احتجاجات 'امرأة، حياة، حرية'.
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يميل إلى البحث عن شخصية قيادية من داخل إيران بدلاً من الاعتماد الكلي على معارضة المنفى. وقد صرح ترامب بأن الشخصيات المقيمة في الداخل، والتي تتمتع بشعبية أو اعتدال نسبي، قد تكون أكثر قدرة على إدارة التحول السياسي وضمان عدم تكرار أخطاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
لم يتمكن أي وجه بارز في المعارضة من إنشاء تحالف واسع بما فيه الكفاية لتوحيد صفوفها.
تفتقر أغلب مجموعات المعارضة الخارجية إلى شبكات عملياتية واسعة وقدرة فعلية على تحريك الشارع في الداخل الإيراني بشكل منظم. هذا الضعف الهيكلي يدفع القوى الدولية للنظر في عناصر من داخل النظام القائم، ممن قد ينشقون أو يبدون مرونة في التفاوض، كخيار أكثر واقعية من المراهنة على قوى مشتتة.
تشير التقارير الحقوقية إلى أن القمع العنيف الذي مارسته السلطات الإيرانية في السنوات الأخيرة أسفر عن مقتل الآلاف، مما ولد غبناً شعبياً كبيراً. ومع ذلك، فإن هذا الغضب لا يزال يفتقر إلى القيادة التي تستطيع تحويل الاحتجاجات العفوية إلى مشروع سياسي متكامل قادر على استلام زمام المبادرة.
دعا رضا بهلوي في وقت سابق إلى تدخل دولي لدعم الشعب الإيراني، محذراً من أن الانتظار قد يؤدي إلى مزيد من الدماء. لكن دعواته قوبلت بردود فعل متباينة، حيث يخشى قطاع واسع من الإيرانيين أن يؤدي التدخل العسكري الخارجي إلى تدمير البنية التحتية للبلاد دون ضمان بديل ديمقراطي حقيقي.
تظل الأقليات الإثنية في إيران، مثل الأكراد والبلوش والعرب، رقماً صعباً في معادلة التغيير، حيث تشعر بالتهميش من قبل معارضة المنفى المركزية. وتطالب هذه المكونات بضمانات واضحة حول الفيدرالية وحقوق الأقليات في أي نظام مستقبلي، وهو ما لم تقدمه القوى الطامحة للحكم بشكل مقنع حتى الآن.
انتقد ترامب الاستراتيجية الأمريكية السابقة في العراق التي اعتمدت على 'اجتثاث' كل عناصر النظام القديم، واصفاً إياها بالخاطئة. ويرى مراقبون أن واشنطن قد تحاول هذه المرة الحفاظ على بعض هياكل الدولة الإيرانية لتجنب الانهيار الأمني الشامل الذي قد تستفيد منه جماعات متطرفة أو قوى إقليمية أخرى.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن المتظاهرين في الداخل يركزون حالياً على هدف واحد وهو التخلص من السلطة الحالية، دون اتفاق مسبق على هوية الحاكم القادم. هذا النهج 'العدمي' تجاه البديل السياسي قد يطيل أمد الصراع الداخلي ويجعل من عملية الانتقال السياسي مساراً محفوفاً بالمخاطر والنزاعات البينية.
ختاماً، يبقى تشرذم المعارضة الإيرانية بمثابة طوق نجاة غير مباشر لما تبقى من هيكلية النظام، حيث يغيب 'الإجماع الوطني' الضروري لإقناع المجتمع الدولي والشارع الإيراني بجدوى التغيير. ومع استمرار الضربات العسكرية، تظل إيران أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين الانقلاب الداخلي أو الفوضى الممتدة.





شارك برأيك
تشرذم المعارضة الإيرانية يعيق خطط تغيير النظام بعد اغتيال المرشد