يرى الكاتب ريتشارد إيسكو في قراءة تحليلية معمقة أن الهجمات العسكرية الأخيرة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية لا تعبر عن فائض قوة، بل هي سلوك يشبه 'الحيوانات المحتضرة' التي تزداد شراسة في لحظاتها الأخيرة. ويشير التحليل إلى أن المجازر التي وقعت مؤخراً، لا سيما استهداف المنشآت التعليمية، تعكس حالة من اليأس الاستراتيجي وفقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية.
وتطرق المقال إلى الغارات الجوية الدامية التي وقعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حيث طالت القذائف مدارس إيرانية وأسفرت عن مقتل عشرات الأطفال. واعتبر إيسكو أن هذه الحوادث ليست مجرد أخطاء تقنية، بل هي نتاج 'لامبالاة تكتيكية' تتشابه إلى حد كبير مع ما يشهده قطاع غزة من حرب إبادة جماعية مستمرة، حيث سقطت أقنعة الخجل من استهداف المدنيين.
وفيما يتعلق بالداخل الإيراني، يرى المحلل أن التركيز الأمريكي والإسرائيلي على اغتيال الشخصيات القيادية، بما في ذلك الأنباء حول وفاة آية الله علي خامنئي، ينم عن فهم سطحي للتاريخ والواقع السياسي. فالسلطة في طهران ليست مرتبطة بفرد واحد، بل هي نتاج تراكمات تاريخية ومقاومة للتدخلات الغربية التي بدأت منذ الانقلاب المدعوم خارجياً في عام 1953.
وحذر التحليل من أن تحويل القادة إلى 'شهداء' قد يمنح النظام الإيراني قوة رمزية تتجاوز تأثيرهم وهم أحياء، مما يعقد مهمة الحركات الاحتجاجية والمطالبين بالديمقراطية في الداخل. هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم في موقف لا يحسدون عليه، محاصرين بين ضغوط النظام المحلي وبين القنابل والصواريخ التي تطلقها القوى الدولية تحت ذريعة التحرير.
وعلى صعيد القيادة الإسرائيلية، رسم المقال صورة قاتمة لمستقبل بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن الرأي العام العالمي، وخاصة الأجيال الشابة في الغرب، بدأ يغير نظرته تجاه إسرائيل بشكل جذري. فقد باتت توصف بشكل متزايد بأنها 'دولة فصل عنصري'، مما يجعل استمرار مشروع 'أرض إسرائيل' بصيغته الحالية أمراً غير مستدام في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
هكذا تتصرف الحيوانات المحتضرة؛ هي لا تبحث عن الأطفال لتقتلهم عمدًا، بل تضرب بخبط عشواء في صراع يائس ضد المحتوم.
أما في الجانب الأمريكي، فيبرز دونالد ترامب كممثل لنخبة سياسية يسيطر عليها ذعر وجودي من فقدان الهيمنة العالمية التي دامت لعقود. وتحاول هذه النخبة تعويض تراجع نفوذها من خلال زيادة الإنفاق العسكري إلى مستويات فلكية وتبني سياسات قمعية، في محاولة يائسة لوقف عجلة التاريخ التي تشير إلى صعود قوى جديدة وتعددية قطبية.
واستشهد الكاتب بمقولة الفيلسوف أنطونيو غرامشي حول مرحلة 'الغسق' التي يمر بها العالم، حيث يموت النظام القديم بينما يواجه النظام الجديد صعوبة في الولادة. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تظهر أعراض مرضية عنيفة تتجلى في الحروب العبثية والاعتداءات العسكرية التي لا تهدف لتحقيق نصر سياسي بقدر ما تهدف لتأخير السقوط الحتمي.
ووصف المقال الولايات المتحدة بأنها تحولت إلى 'عملاق عنيف وبائس'، يوجه ثروات شعبه نحو آلات القتل والدمار بينما يعاني الداخل من فوارق طبقية حادة وأزمات اجتماعية متفاقمة. فالهجوم على إيران، بحسب إيسكو، ليس علامة على القوة الإمبراطورية، بل هو تخبط يشبه ما مرت به الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ قبيل انهيارها النهائي.
وخلص التحليل إلى أن 'الوقت ينفد' أمام القادة الذين يقتاتون على الحروب والصراعات الدائمة للبقاء في السلطة، سواء في واشنطن أو تل أبيب. إن دموية الهجمات الحالية هي الضريبة الأخيرة التي يدفعها الأبرياء في واقع دولي يتشكل من جديد، حيث لن تعود الجغرافيا السياسية إلى سابق عهدها مهما بلغت شدة القصف.
وفي ختام قراءته، وجه إيسكو رسالة تضامن مع الضحايا في فلسطين واليمن وإيران، مؤكداً أن إرادة الشعوب والتحولات التاريخية الكبرى أقوى من آلات الحرب. واعتبر أن الصراع الحالي هو المخاض الأخير لنظام عالمي قديم يرفض الاعتراف بنهايته، مما يجعله أكثر خطورة وفتكاً في أيامه الأخيرة.





شارك برأيك
تحليل: هل تعكس الهجمات ضد إيران تخبط 'إمبراطوريات محتضرة'؟