واشنطن – سعيد عريقات – 2/3/2026
تحليل إخباري
مع دخول الحرب يومها الثالث ، بدأت الصورة التي رافقت الضربة الأولى تتبدد سريعاً. فما قُدّم باعتباره عملية عسكرية حاسمة لمنع تهديد وشيك أخذ يتحول إلى صراع مفتوح يطرح أسئلة جوهرية حول دوافع الحرب نفسها، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد اندفعتا نحو المواجهة دون حساب دقيق لتداعياتها السياسية والعسكرية طويلة الأمد.
يشكّل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الضربة الافتتاحية الحدث الأكثر دراماتيكية في مسار الحرب حتى الآن. غير أن تصفية رأس النظام لا تعني بالضرورة انهياره، كما تفترض بعض القراءات في واشنطن وتل أبيب. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن استهداف القيادة العليا غالباً ما يؤدي إلى إعادة تشكّل السلطة بدلاً من تفككها. ومن المرجح أن تتقدم قيادات أصغر سناً وأكثر تشدداً، وربما من صفوف الحرس الثوري، إلى مركز القرار، ما قد يعزز الطابع الأمني للنظام الإيراني ويمنح المؤسسة العسكرية نفوذاً أكبر على حساب المؤسسات السياسية والدينية التقليدية. بذلك، قد يتحول الاغتيال إلى عامل تعبئة وطنية يمنح النظام زخماً جديداً بدلاً من إسقاطه سريعاً.
في الداخل الأميركي، نقل مقتل ثلاثة جنود أميركيين الحرب فوراً من ساحة العمليات الخارجية إلى المجال السياسي الداخلي. فالخسائر البشرية، حتى في مراحل مبكرة، تغيّر طبيعة النقاش العام وتفرض تساؤلات حول جدوى الحرب وأهدافها النهائية. ومع غياب تهديد مباشر وفوري للأراضي الأميركية، بدأ بعض المنتقدين يتساءلون عما إذا كانت الإدارة قد دخلت حرباً اختيارية أكثر منها ضرورة إستراتيجية.
الرئيس دونالد ترمب حاول احتواء المخاوف بتصريحات قال فيها إن العمليات قد تنتهي خلال "أربعة أسابيع أو أقل"، مؤكداً أن الحملة تسير "قبل الجدول الزمني". كما نقلت عنه مجلة أتلانتك قوله إن الإيرانيين يسعون للتفاوض وإن قادة عسكريين إيرانيين يرغبون في الاستسلام. غير أن مثل هذه التصريحات تعكس تفاؤلاً سياسياً مألوفاً في بدايات الحروب، حيث غالباً ما تُقلَّل تقديرات المخاطر لتثبيت الدعم الداخلي. فالتاريخ الأميركي، من العراق إلى أفغانستان، يُظهر أن الحروب التي تبدأ بتوقعات زمنية قصيرة نادراً ما تنتهي وفق الجداول المعلنة.
إسرائيل، من جانبها، أعلنت نيتها توسيع الضربات، في خطوة تعكس قناعة راسخة بأن القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في المنطقة. لكن منتقدين يرون أن هذا النهج يتجاهل دروس عقود من الصراعات، حيث أثبتت الضربات الوقائية قدرتها على تأجيل التهديدات لا إنهائها. بل إن التصعيد المستمر يزيد احتمالات انخراط أطراف إقليمية إضافية، ما قد يحول المواجهة المحدودة إلى حرب متعددة الجبهات يصعب احتواؤها.
اختار ترمب تأطير الحرب بلغة أخلاقية، مقدماً إياها باعتبارها ضرورة لحماية الأميركيين من نظام "خطير". غير أن هذا الخطاب، بحسب محللين، يخفي واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في ضغوط سياسية مكثفة مارسها بنيامين نتنياهو لدفع واشنطن نحو المواجهة العسكرية. تحويل الحرب إلى قضية أخلاقية يمنحها شرعية سياسية فورية، لكنه يقلص هامش الدبلوماسية، لأن أي تراجع لاحق قد يبدو وكأنه تخلي عن مبدأ أخلاقي لا مجرد إعادة تقييم استراتيجي.
وتبرز هنا المعضلة الأكبر: غياب تصور واضح لليوم التالي. فالحروب التي تستهدف تغيير سلوك الأنظمة أو إسقاطها نادراً ما تحقق استقراراً سريعاً. وفي الحالة الإيرانية، قد يؤدي تفكيك القيادة التقليدية إلى صعود قوى أكثر تشدداً وتنظيماً، ما يخلق نظاماً أكثر عدائية بدلاً من نظام أكثر اعتدالاً. هذا الاحتمال يثير تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قد ركزتا على لحظة الضربة أكثر من التفكير في نتائجها السياسية.
كما تكشف الحرب أن قرار المواجهة لم يكن نتاج الحسابات الأميركية وحدها، بل نتيجة تلاقي ضغوط إقليمية معقدة. فقد ساهم التقارب الاستراتيجي بين إسرائيل وبعض القوى الخليجية القلقة من النفوذ الإيراني في خلق مناخ سياسي دفع نحو الخيار العسكري بعد سنوات من التردد. ويشير منتقدون إلى أن هذا النمط يعكس تحولاً في صنع القرار الأميركي، حيث تصبح واشنطن أحياناً جزءاً من أجندات أمنية إقليمية بدلاً من كونها الطرف الذي يحددها.
عسكرياً، يتوقع مسؤولون استمرار تبادل الضربات الصاروخية خلال الأيام المقبلة، ما يعني أن الحسم لن يتحدد بالضربة الأولى بل بقدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف. وإذا احتفظت إيران بقدرتها على الرد، فقد تتحول الحرب إلى مواجهة طويلة تستنزف الموارد وتزعزع استقرار أسواق الطاقة وتزيد الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
بعد يومين فقط من القتال، يبدو أن السؤال لم يعد كيف بدأت الحرب، بل لماذا بدأت بهذه السرعة، ودون نقاش علني واسع حول بدائلها. فبينما تؤكد واشنطن وتل أبيب أن الهدف هو منع الانتشار النووي، يرى منتقدون أن اللجوء المبكر للقوة قد يكون عجّل بالأزمة بدلاً من احتوائها. وبين هذين التفسيرين، تدخل المنطقة مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل توازناتها لسنوات طويلة — حرب بدأت بثقة عالية في الحسم، لكنها تكشف سريعاً حدود القوة العسكرية عندما تُستخدم دون رؤية سياسية واضحة للنهاية.





شارك برأيك
بعد اغتيال خامنئي: حرب بلا خطة واضحة تكشف رهانات واشنطن وتل أبيب الفاشلة