لم تعد الحرب الدائرة ضد إيران تسير وفق القواعد التقليدية التي سبقت عملية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إذ لم يكن هذا الحدث مجرد ضربة عسكرية نوعية، بل لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى إعادة الردع إلى مستوى كسر النظام في رمزه السيادي والأيديولوجي الأعلى. ومع هذا التحول الجذري، ارتفع سقف المواجهة إلى حد لم يعد يسمح بالعودة إلى منطق الرسائل التكتيكية المتبادلة.
قبل هذا الاغتيال، كان المشهد يُقرأ بوصفه تقاطعاً بين نزعة دونالد ترامب الصدامية التي توظف القوة لفرض صفقات كبرى، وبين حاجة بنيامين نتنياهو لترميم صورة الردع الإسرائيلي المهتزة منذ السابع من أكتوبر. كانت الضربات تُفهم كأدوات ضغط ضمن معادلة تصعيد يمكن السيطرة عليها، لكن استهداف رأس النظام حوّل المعركة إلى صراع بقاء لا يقبل القسمة على اثنين.
إن سقوط خامنئي لم يمثل غياب قائد عسكري عابر، بل غياب المرجعية الدينية والسياسية التي شكلت عمود النظام الإيراني طوال عقود مضت. ويمتد أثر هذا الحدث ليشمل ملايين المسلمين الذين يرون في الولي الفقيه رمزاً عقائدياً، مما يجعل من استهدافه إهانة رمزية تتجاوز الحدود السياسية لتطال البنية الرمزية للهوية الإسلامية في مواجهة ما يوصف بالتوحش الأمريكي والصهيوني.
أصاب الاغتيال البنية الرمزية للنظام الإيراني في مقتل، فالرجل كان المرتكز الذي تدور حوله شرعية الدولة واستمراريتها. وحين يُستهدف هذا الرمز، لا يكون الرد مجرد حسابات باردة للخسائر والمكاسب، بل يصبح دفاعاً مستميتاً عن الكيان نفسه لإثبات أن النظام لم يُكسر وأن دماء المرشد ستكون لها أثمان باهظة وغير مسبوقة.
في هذا السياق المتفجر، تتقاطع حسابات ترامب ونتنياهو على نحو يزداد خطورة، حيث يؤمن كلاهما بأن كسر السقف هو الطريق الأقصر لفرض واقع جيوسياسي جديد. ترامب، بفلسفته القائمة على التفاوض من موقع القوة المطلقة، يرى في الضربة وسيلة لإعادة تعريف التوازن مع طهران، بينما يراها نتنياهو فرصة تاريخية لتحويل مساره من رئيس وزراء مأزوم إلى قائد وجه الضربة القاضية لخصمه الاستراتيجي.
لكن ما بدا في لحظة اتخاذ القرار كذروة للحسم، سرعان ما تحول إلى بوابة لتصعيد شامل وغير محكوم، فالنظام الذي يُصاب في قلبه لا يملك ترف الرد المحدود. إن أي رد فعل باهت سيُفسر على أنه ضعف أو بداية للانهيار، ولذلك اتجهت طهران نحو تصعيد واسع يهدف بالدرجة الأولى إلى استعادة الهيبة المفقودة وتثبيت حضورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
لقد خرجت الحرب فعلياً من منطق إدارة الصراع التقليدي لتنخرط في منطق إدارة الفوضى الشاملة، حيث أصبح الانتقال إلى التهدئة أمراً معقداً للغاية. كل طرف في هذه المعادلة بات أسيراً لصورته أمام جمهوره؛ فلا ترامب يستطيع التراجع بعد ضربة بهذا الحجم، ولا إيران يمكنها القبول بواقع يظهرها بمظهر المنكسر الذي يكتفي بردود رمزية لا ترقى لمستوى الحدث.
اغتيال خامنئي لم يكن فصلاً عابراً، بل لحظة حوّلت الصراع من محاولة لإعادة رسم الردع إلى مواجهة تمسّ جوهر الأنظمة وصورتها.
المفارقة تكمن في أن التشابه الشخصي بين ترامب ونتنياهو في تقديس صورة الرجل القوي قد يدفع المنطقة نحو سباق تصعيد محموم. الحرب، بخلاف الصفقات التجارية، لا تنتهي دائماً عند النقاط التي يحددها صانعوها، بل تتشعب في مسارات غير متوقعة وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع، مما يجعل مآلاتها مفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية.
اغتيال خامنئي أعاد تشكيل المشهد الإقليمي بالكامل، محولاً المواجهة من صراع حدود وردع إلى معركة تمس جوهر الأنظمة وصورتها أمام شعوبها. المنطقة اليوم تقف أمام معادلة شديدة الخطورة، حيث ولدت الضربة القصوى رداً أقصى، وبين تحالف النار وثأر الوجود يتحدد مستقبل الشرق الأوسط الذي قد يخرج بخرائط جديدة كلياً.
في المقابل، يبرز المشهد العربي الرسمي ككتلة عاجزة تكتفي بموقف المشاهد الذي يتلقى الضربات وتُستغل مقدراته في حروب الآخرين. هذا العجز يتجلى في غياب أي دور فاعل أو تأثير حقيقي في مجريات الأحداث، بل إن بعض المواقف الرسمية تبدو وكأنها متواطئة عبر الصمت أو الاكتفاء ببيانات إنشائية تدعو لضبط النفس في وقت تشتعل فيه المنطقة.
لقد اختفت مصطلحات تحرير فلسطين من القاموس السياسي الرسمي، وحلت محلها مفردات مائعة تدعو إلى حل الصراعات بالطرق السلمية وخفض التصعيد. هذا التحول في الخطاب يعكس حالة من الاغتراب عن القضايا المركزية، حيث يتم ملاحقة وتجريم كل من يحاول مقاومة الاحتلال، في مفارقة تاريخية تعكس حجم الانكسار في المنظومة العربية الرسمية.
إن الصراع الحالي لم يعد يتعلق فقط بمن يملك القوة العسكرية الأكبر، بل بمن يمتلك القدرة على تحمل الكلفة الباهظة للسير في طريق المواجهة حتى نهايته. وبينما تنشغل القوى الكبرى برسم ملامح النظام الإقليمي الجديد بالدم والنار، تظل الشعوب هي الضحية الأولى لهذه التحولات التي قد تترك جروحاً غائرة يصعب التئامها لعقود طويلة.
الاستراتيجية الإيرانية في المرحلة المقبلة ستتركز على إعادة بناء جدار الردع الذي تحطم باستهداف رأس الهرم، وهو ما يعني أن الردود قد لا تقتصر على الجغرافيا الإسرائيلية بل قد تمتد لتطال المصالح الأمريكية في المنطقة. هذا التصعيد الممنهج يهدف إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن ثمن استهداف الرموز السيادية سيكون أغلى مما يتخيله صانع القرار في واشنطن أو تل أبيب.
ختاماً، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة تحول تاريخي قد يؤدي إما إلى ولادة توازنات قوى جديدة أو إلى غرق المنطقة في دوامة من العنف المفتوح. إن غياب المشروع العربي الموحد يجعل من ساحات المنطقة ميادين لتصفية الحسابات الدولية، مما يضع مستقبل الأجيال القادمة في مهب الريح وسط صراع الإرادات الوجودية بين القوى الإقليمية والدولية.





شارك برأيك
اغتيال خامنئي.. زلزال استراتيجي يعيد صياغة المواجهة بين واشنطن وطهران