تتصاعد التساؤلات في أروقة البيت الأبيض حول الدوافع التي تمنع طهران من إعلان استسلامها الكامل أمام سياسة 'الضغوط القصوى' التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد كشف الوسيط الدبلوماسي ستيف ويتكوف عن حيرة ترامب تجاه عدم رضوخ الإيرانيين رغم الحشود البحرية والضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي تهدف لإجبارهم على تقديم تنازلات جوهرية.
يرى مراقبون أن هذه التصريحات قد تمنح طهران تفوقاً تفاوضياً غير مقصود، إذ تُظهر ترامب في موقف العاجز عن إنفاذ تهديداته المستمرة منذ شهور. فبينما يطمح الرئيس الأمريكي لإبرام اتفاق تاريخي يتجاوز ما حققه سلفه أوباما، يجد نفسه عالقاً بين خيار الحرب الشاملة التي يخشى تبعاتها، وبين فشل مساعي الإقناع الدبلوماسي.
في سياق متصل، أثارت توقعات أكاديمية خليجية جدلاً واسعاً حول قرب قبول إيران لـ 90% من الشروط الأمريكية، والتي تشمل تقليص البرنامج النووي ونزع الصواريخ الباليستية. ومع ذلك، تظل احتمالات الهجوم العسكري قائمة بنسبة كبيرة نتيجة انعدام الثقة المتبادل، وهو ما يعكس تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.
على الجانب الآخر، تبرز أصوات داخل الولايات المتحدة تحرض على ضرورة التخلص من النظام الإيراني بدلاً من التفاوض معه، معتبرة أن أي اتفاق سيكون مؤقتاً وضعيفاً. وقد برز هذا التوجه في إعادة نشر ترامب لمقاطع فيديو تطالب بوقف المسار الدبلوماسي والتركيز على تغيير النظام كحل وحيد لإنهاء التهديد النووي.
لكن الواقع العسكري يفرض تحديات مختلفة، حيث حذر رئيس أركان القوات المسلحة الأمريكية، الجنرال دانيال كين، من الانزلاق في صراع طويل الأمد مع إيران. هذا التحذير قوبل برد حاد من ترامب الذي اعتبره 'أخباراً مضللة'، مؤكداً أن النصر سيكون سهلاً ومضموناً في حال اتخاذ قرار المواجهة العسكرية.
وتعيد التصريحات الأمريكية الأخيرة حول اقتراب إيران من إنتاج قنبلة نووية خلال أسبوع واحد إلى الأذهان الذرائع التي سِيقت قبيل غزو العراق قبل عقود. هذا التصعيد الكلامي يمهد الطريق لشرعنة أي ضربة عسكرية محتملة قد تستهدف المنشآت الحيوية الإيرانية قبل نهاية المهلة الزمنية المفترضة.
ميدانياً، تشير التقارير إلى حشود عسكرية أمريكية غير مسبوقة في المنطقة، تضم مئات الطائرات المقاتلة وحاملات الطائرات وعشرات الآلاف من الجنود. ورغم ضخامة هذه القوة، إلا أن الخبراء العسكريين يشككون في كفايتها لإسقاط النظام أو السيطرة على الأرض دون الحاجة لأعداد مضاعفة من القوات البرية.
إنهم يتساءلون لماذا لم يأتِ الإيرانيون إلينا ليقولوا إننا لا نريد امتلاك السلاح النووي في ظل هذا الضغط الهائل.
وتختلف الحالة الإيرانية عن التجربة العراقية في عام 2003 من حيث غياب الدعم الإقليمي أو الداخلي لأي تدخل عسكري أجنبي. كما أن النظام الإيراني أظهر قدرة فائقة على استخدام القوة المفرطة لإخماد أي تمرد داخلي، مما يجعل الرهان على انهياره من الداخل خلال الحرب أمراً محفوفاً بالمخاطر.
إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران هيكلية قيادية بديلة ومعدة سلفاً للتعامل مع عمليات الاغتيال التي قد تطال رموزها السياسية أو العسكرية. وتستلهم طهران في ذلك تجربة حزب الله في لبنان، الذي تمكن من تعويض قياداته العليا بسرعة فائقة بعد سلسلة من الاغتيالات الإسرائيلية، مما يضمن استمرارية سلسلة القيادة.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لخص سر 'العناد' الإيراني في البعد الأيديولوجي، مشيراً إلى أن التعامل مع قيادة تتخذ قراراتها بناءً على أسس دينية يجعل التفاوض معقداً للغاية. هذا البعد العقائدي يمنح المفاوض الإيراني قدرة على الصمود والمناورة تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية القائمة على الربح والخسارة المادية.
كما يبرز نموذج المقاومة في قطاع غزة كعامل إلهام لطهران وحلفائها في المنطقة، حيث تمكنت فصائل المقاومة من الصمود لعامين أمام ترسانة عسكرية هائلة. هذا الصمود يعزز القناعة لدى القيادة الإيرانية بأن التكنولوجيا العسكرية المتطورة لا تضمن دائماً حسم المعارك ضد إرادة الشعوب أو الدول ذات العمق التاريخي.
تحاول إيران حالياً تجنب الدمار الشامل عبر تقديم تنازلات 'مقبولة' في الملف النووي، شريطة ألا تُحرم من حقوقها التي تتمتع بها دول أخرى في الإقليم. ومع ذلك، فإن الإصرار الأمريكي على نزع كافة أوراق القوة الإيرانية يضع المنطقة على حافة الهاوية، حيث لا يلوح في الأفق سوى خيار الرد أو الفوضى.
إن أي هجوم عسكري واسع النطاق سيؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج حالة من التخلف والتراجع الاقتصادي في عموم الشرق الأوسط. وهو ما يسعى نتنياهو وحلفاؤه لتحقيقه لضمان تفوق الاحتلال الإسرائيلي المطلق، بعيداً عن أي تهديدات وجودية قد تشكلها القوى الإقليمية الصاعدة.
في الختام، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين دبلوماسية اللحظة الأخيرة وبين طبول الحرب التي تقرع بقوة في واشنطن وتل أبيب. وستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت إيران ستنجح في عبور هذه العاصفة، أم أن المنطقة مقبلة على زلزال سياسي وعسكري سيغير وجهها لسنوات طويلة.





شارك برأيك
معادلة الصمود والمواجهة: لماذا ترفض طهران الاستسلام لضغوط ترامب؟