عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 8:03 مساءً - بتوقيت القدس

تحليل لـ"فورين بوليسي": لماذا يخطئ الغرب في فهم عقلية خامنئي ورهانات الاستسلام؟

أفادت مصادر تحليلية في مجلة "فورين بوليسي" بأن الافتراض الشائع في دوائر صنع القرار بواشنطن حول إمكانية إخضاع المرشد الإيراني علي خامنئي عبر العقوبات والعزلة العسكرية هو افتراض يفتقر للدقة. وأوضح الباحث آراش ريسينجاد أن هذا التوجه يتجاهل طبيعة الرجل الذي يقف في قلب النظام السياسي الإيراني، حيث لا يمثل الاستسلام بالنسبة له خياراً سياسياً متاحاً تحت أي ظرف.

وتشير القراءة التحليلية إلى أن هوية خامنئي السياسية تشكلت في خضم معارضة نظام الشاه وصُقلت في زنازين السجن، وصولاً إلى تجربة الحرب العراقية الإيرانية المريرة. هذه السيرة الذاتية جعلت من مفهوم "المقاومة" في قاموسه هوية شخصية متجذرة وليست مجرد مناورة تكتيكية لتحقيق مكاسب مؤقتة أو تخفيف ضغوط اقتصادية.

ويرى خامنئي أن الثورة الإسلامية التي انطلقت عام 1979 هي حالة مستمرة ونضال لم يكتمل بعد، حيث تُعد العقوبات والتخريب الخارجي دليلاً على أن الثورة لا تزال حية وتواجه أعداءها. ومن هذا المنطلق، فإن الضغوط الدولية لا تُنظر إليها كعقبات يجب إزالتها بالتنازل، بل كاختبارات أخلاقية تُثبت صحة المسار الثوري للنظام.

ويلفت التحليل الانتباه إلى الميول الأدبية للمرشد الإيراني، مستشهداً بإعجابه برواية "ويجري نهر الدون بهدوء"، التي تتناول الصمود وسط الحروب والأزمات الكبرى. هذه العقلية ترى في الاضطرابات عاملاً تكوينياً يصقل الشخصية القيادية، حيث لا يبحث البطل عن النصر السريع بقدر ما يسعى للبقاء بشرف وسط الفوضى العارمة.

ثمة شبح تاريخي يطارد قرارات القيادة الإيرانية الحالية، وهو قبول آية الله الخميني لقرار مجلس الأمن رقم 598 في نهاية الحرب مع العراق، وهو ما وصفه حينها بـ "شرب كأس السم". خامنئي، الذي ورث السلطة دون الكاريزما الدينية المطلقة لسلفه، يرفض تكرار هذا المشهد الذي اعتبره البعض داخل القواعد الثورية تنازلاً مؤلماً.

إن رفض "شرب كأس الاستسلام" بالنسبة لخامنئي لا يتعلق فقط بالعلاقة مع الولايات المتحدة، بل هو محاولة للتحرر من هيمنة إرث الخميني وبناء شرعية قائمة على الاتساق الأيديولوجي. فهو يرى أن قبول تسوية تحت مسمى "الاستسلام غير المشروط" سيقوض السردية التي بناها طوال عقود حول ثباته وصلابته أمام القوى الكبرى.

وتستند رؤية خامنئي للسلطة إلى درس تاريخي مستخلص من سقوط نظام بهلوي، حيث يعتقد أن التردد والضعف في مواجهة الاحتجاجات هما ما عجلا بانهيار الشاه وليس القمع. هذا الدرس يجعله يؤمن بأن التراجع تحت الضغط يؤدي إلى مزيد من المطالب، وأن إظهار أي علامة من علامات الهشاشة سيسرع من سقوط النظام بالكامل.

وفيما يخص التهديدات العسكرية، يشير التحليل إلى أن الغرب يغفل "سياسة الاستشهاد" المتجذرة في الفكر الشيعي والثوري الإيراني، حيث تُقدس الشهادة كانتصار أخلاقي نهائي. فالموت في سبيل المقاومة لا يعني الهزيمة في نظر خامنئي، بل يضفي قدسية على استمرارية النهج ويحول الحاكم من زعيم محاصر إلى رمز خالد للكرامة.

هذا المنظور يجعل من احتمالات الاغتيال أو القتل المستهدف وسيلة لترسيخ إرث خامنئي بدلاً من ردعه، إذ سيتم إعادة صياغة إخفاقاته الاقتصادية والسياسية في قالب تضحية بطولية. وقد تمنح "شهادة" القائد خلفاءه مرونة أكبر في المستقبل لاتخاذ قرارات براغماتية دون أن يبدوا ضعفاء، مستندين إلى عباءة القائد الشهيد.

أما الملف النووي، فلا ينظر إليه خامنئي كأداة مساومة أو وسيلة لامتلاك قنبلة فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من "سياسة الكرامة" والاستقلال عن الهيمنة الغربية. البرنامج النووي في السردية الرسمية هو إثبات لكون الدولة لا تزال ثورية وقادرة على تحدي الإرادة الأمريكية، وهو ما يجعل التنازل عنه تحت الإكراه خيانة وجودية.

وتؤكد مصادر مطلعة على الشأن الإيراني أن تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2015 عززت قناعة خامنئي بأن واشنطن طرف غير جدير بالثقة. هذا الانسحاب أعاد التأكيد على وجهة نظره بأن التنازلات لا تجلب الاستقرار، بل تفتح الباب أمام تدخلات أعمق تستهدف جوهر وجود الجمهورية الإسلامية.

وعلى الرغم من أن العقوبات ألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني وزعزعت الاستقرار الداخلي، إلا أن الالتزامات المتعلقة بالهوية تظل أقوى من الإغراءات المادية. فالتخصيب النووي يُصوّر مراراً كمسألة استقلال وطني، والقبول بتفكيكه تحت التهديد يُعتبر إذلالاً، والإذلال في فكر المرشد أشد خطورة من الحرمان الاقتصادي.

ويخلص التحليل إلى أن معضلة واشنطن مع طهران ليست جيوسياسية فحسب، بل هي معضلة نفسية وفلسفية تتعلق بفهم دوافع الخصم. فالولايات المتحدة تواجه قائداً يرى في التسوية تحت الإكراه انهياراً للهوية، ويفضل المخاطرة الشخصية وحتى الموت على قبول هزيمة رمزية تنهي إرث الثورة التي عاش من أجلها.

في نهاية المطاف، لا يستبعد هذا التحليل إمكانية حدوث تحولات في السياسة الإيرانية مستقبلاً، لكنه يؤكد أن هذه التحولات لن تأتي عبر بوابة الاستسلام العلني. إن "المرونة" قد تكون ممكنة إذا صِيغت بشكل يحفظ الكرامة، أما الرهان على انكسار خامنئي تحت وطأة الضغط الأقصى فهو رهان يتجاهل حقائق التاريخ الشخصي والأيديولوجي للمرشد.

دلالات

شارك برأيك

تحليل لـ"فورين بوليسي": لماذا يخطئ الغرب في فهم عقلية خامنئي ورهانات الاستسلام؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.