عربي ودولي

الأربعاء 18 فبراير 2026 6:41 صباحًا - بتوقيت القدس

بين المريخ والزهرة: قراءة في جذور الخلاف الاستراتيجي بين أمريكا وأوروبا

أعاد السجال حول كتاب المؤرخ الأمريكي روبرت كاغان 'عن الجنة والقوة' تسليط الضوء على التباين العميق في الرؤى الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي. فمنذ حرب العراق عام 2003، تكرست قناعة لدى المحافظين الأمريكيين بأن نهاية الحرب الباردة لم تلغِ دور القوة في صناعة النظام الدولي، وهو ما يتناقض مع التوجه الأوروبي.

تجسد استعارة كاغان الشهيرة بأن 'الأميركيين من المريخ والأوروبيين من الزهرة' جوهر الخلاف؛ حيث تفضل واشنطن استخدام القوة العسكرية لحسم النزاعات، بينما تميل العواصم الأوروبية إلى الدبلوماسية والقانون الدولي. هذا التباين الثقافي خلق فجوة استراتيجية تتسع مع كل أزمة دولية جديدة تواجه الطرفين.

ينظر المحافظون في الولايات المتحدة إلى أوروبا بوصفها كياناً يعيش في حالة من السذاجة السياسية، حيث تنفق القارة العجوز على رفاهها الاجتماعي وتغفل عن تعزيز قدراتها الدفاعية. وتؤكد مصادر تحليلية أن هذا التوجه الأمريكي يرى في أوروبا 'أماً طائشة' تستنجد بواشنطن كلما واجهت واقعاً مريراً كما حدث في الحربين العالميتين.

لم تكتفِ الولايات المتحدة تاريخياً بتقديم الدعم العسكري لأوروبا، بل ساهمت عبر 'مشروع مارشال' في إعادة إعمار القارة التي دمرتها النزاعات الداخلية. ومع ذلك، يظل البرم الأمريكي مستمراً تجاه ما يعتبرونه تقاعساً أوروبياً عن حماية حدود مقلقة، خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية الحالية وأزمات اللجوء المليونية.

في ذروة الخلاف حول العراق، برز مصطلح 'أوروبا القديمة' الذي أطلقه دونالد رمسفيلد لوصف القوى التقليدية في الغرب، مقابل 'أوروبا الجديدة' في الشرق والوسط. هذا التقسيم عكس رغبة أمريكية في تجاوز التحفظات الأوروبية التقليدية والبحث عن حلفاء أكثر تماشياً مع سياسات القوة الخشنة.

على الجانب الآخر، يفتخر الأوروبيون بنموذجهم القاري الذي نجح في تطويق النزاعات التاريخية، خاصة بعد توحيد ألمانيا. وتتبنى الثقافة السياسية الأوروبية مبدأ البحث عن القواسم المشتركة، معتبرة أن الجار ليس عدواً بالضرورة، بل هو جزء من نظام متداخل يعتمد فيه الجميع على بعضهم البعض.

لا يمكن إنكار الفضل الثقافي الأوروبي على الولايات المتحدة، حيث ساهمت هجرة المثقفين والفنانين الهاربين من النازية في كسر المحلية الفكرية الأمريكية. هؤلاء المهاجرون، وخاصة اليهود الألمان، نقلوا معهم تجارب فكرية وفنية ساهمت في صياغة الحداثة الأمريكية المعاصرة في مجالات عدة.

كانت باريس في الثلث الأول من القرن الماضي مختبراً حقيقياً للمبدعين الأمريكيين الذين بحثوا عن الحرية الفردية بعيداً عن المحافظة في بلادهم. أسماء كبرى مثل همنغواي وسكوت فيتزجيرالد لم تكن لتصل إلى نضجها الإبداعي دون المرور بـ 'عاصمة النور' وصالونات الحداثة التي ضمت بيكاسو وماتيس.

رغم هذا التأثير الثقافي، تظل أمريكا المحافظة غير معجبة بـ 'الهدايا الفكرية' الأوروبية، وتعتبر الحرب والمعايير العسكرية هي المقياس الأول لأحكامها. بل إن المكارثية في حقبة معينة كانت تمثل رد فعل دفاعي لصد التأثيرات الكوزموبوليتية القادمة من أوروبا وتطويق تأثيرها في المدن الكبرى مثل نيويورك.

في نهاية المطاف، يبدو الصراع بين الرؤيتين صراعاً بين مستقبل يُشتق من التقنيات العليا والماضي الثابت، وبين رؤية أوروبية تبشر بمستقبل لا يرتهن للتاريخ. وبينما تصر واشنطن على ريادتها التقنية والعسكرية، تظل أوروبا متمسكة بقوتها الناعمة كخيار استراتيجي لمواجهة تحديات العالم المتغير.

دلالات

شارك برأيك

بين المريخ والزهرة: قراءة في جذور الخلاف الاستراتيجي بين أمريكا وأوروبا

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.