أقلام وأراء

الأحد 15 فبراير 2026 3:06 مساءً - بتوقيت القدس

معركة السرديات: هل يمتلك المنهزمون حق كتابة التاريخ؟

تظل مقولة 'التاريخ يكتبه المنتصرون' واحدة من أكثر المفاهيم شيوعاً في الوعي الإنساني، حيث تُنسب لشخصيات تاريخية بارزة مثل ونستون تشرشل وأدولف هتلر. ومع ذلك، فإن هذه المقولة لا تمثل قاعدة علمية ثابتة، بل هي انعكاس لقدرة القوي على فرض رؤيته للأحداث ومحاولة محو إنجازات من سبقوه أو من خسروا المعركة أمامه.

إن سيطرة المنتصرين على الرواية الرسمية لا تعني إطلاقاً استسلام المنهزمين أو سقوط حقهم في تدوين وقائعهم الخاصة. بل إن الواجب يفرض على الطرف الخاسر في جولة ما أن يوثق روايته بدقة، بانتظار اللحظة التاريخية المناسبة التي ستجد فيها هذه الرواية آذاناً صاغية تعيد قراءة الأحداث وتفسيرها بناءً على معطيات جديدة.

نحن نعيش اليوم في خضم 'معركة سرديات' كبرى، حيث يمثل الفراغ في الرواية فرصة للخصوم لملئه بأكاذيبهم وتصوراتهم الخاصة. ومن هنا تبرز أهمية المبادرة بتقديم الرواية الذاتية للأحداث الكبرى لضمان عدم ضياع الحقيقة وسط ضجيج البروباغندا الإعلامية التي تخدم القوى المهيمنة.

في السياق الفلسطيني، سارعت مصادر في المقاومة إلى تسجيل ونشر سرديتها الخاصة حول عملية 'طوفان الأقصى'. وقد نجحت هذه الرواية في الصمود أمام السردية الإسرائيلية المدعومة بآلة دمار هائلة، واستطاعت الوصول إلى عقول الشباب في الغرب، وتحديداً في الجامعات الأمريكية الكبرى التي تشكل وعي قادة المستقبل.

لا تقتصر معارك السردية على الصراعات الدولية، بل تمتد لتشمل الميادين المحلية حيث يسعى الحكام المتغلبون لفرض رؤيتهم عبر المناهج الدراسية والأعمال الفنية. ويهدف هذا التوجه إلى صياغة عقول الشعوب بما يخدم استمرارية السلطة وتشويه صورة المعارضين أو تغييبهم تماماً من الذاكرة الجمعية.

تعد تجربة الرئيس المصري الأول محمد نجيب مثالاً صارخاً على محاولات محو التاريخ، حيث تم تغييب اسمه لسنوات طويلة لصالح خلفه. ولم يستعد نجيب جزءاً من اعتباره إلا بعد نشر مذكراته 'كنت رئيساً لمصر'، التي كشفت عن حجم التهميش الذي تعرض له حتى من موظفي الدولة البسطاء.

شهدت مصر بعد أحداث يوليو 2013 محاولات مستمرة لتشويه تاريخ ثورة يناير وحذف أرشيف القوى التي شاركت فيها. وقد طال هذا الحذف مقالات وتقارير لشخصيات عامة، في محاولة لفرض رواية أحادية الجانب تعتمد على تزييف الوقائع وتضخيم أحداث معينة على حساب أخرى.

تعتمد الأنظمة الشمولية في فرض سرديتها على استراتيجية 'التكرار المستمر' التي لخصها وزير الإعلام النازي جوبلز في مقولته الشهيرة عن الكذب. ويهدف هذا النهج إلى تثبيت السلطة عبر إقناع الشعب برواية مضللة، مستغلين غياب الأطراف الأخرى التي تقبع في السجون أو غيبها الموت.

تعتبر حماية الذاكرة الوطنية 'فرض كفاية' يجب أن يضطلع به كل من شارك في العمل العام أو تحمل مسؤولية سياسية. إن توثيق الشهادات الشخصية ليس نوعاً من الرياء، بل هو حق أصيل للمجتمع وللأجيال القادمة التي تستحق معرفة الحقيقة بعيداً عن تزييف الخصوم.

لقد ضاعت الكثير من الأسرار والمعلومات التاريخية الهامة بوفاة أصحابها قبل أن يتمكنوا من تدوينها، مما سمح للروايات الكاذبة بأن تصبح تاريخاً معتمداً. لذا، فإن الكتابة والتوثيق يمثلان خط الدفاع الأول عن الحقيقة في وجه محاولات الطمس الممنهج التي تمارسها القوى المتغلبة.

في إطار هذا الفهم لمعركة السرديات، جاء كتاب 'مرسي والإعلام معركة الذاكرة.. رؤية من الداخل' ليقدم شهادة موضوعية عن فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي. ويسعى الكتاب لتسليط الضوء على كيفية تعامل الإدارة آنذاك مع المشهد الإعلامي المعقد والتحديات التي فرضتها الدولة العميقة.

يتزامن صدور هذا التوثيق مع الذكرى الخامسة عشرة للربيع العربي، ليكون مرجعاً للباحثين والإعلاميين الساعين وراء الحقيقة. فالشهادة من داخل مراكز صنع القرار تمنح الأجيال التي لم تعاصر تلك الأحداث فرصة لفهم النجاحات والإخفاقات بعيداً عن التشويه الممنهج.

واجهت تجربة الحكم في تلك الفترة تحديات إقليمية ومحلية هائلة، حيث أُنفقت مبالغ ضخمة لتشويه الثورة المصرية ونتائجها. ومن هنا تبرز قيمة الشهادات المكتوبة في تفكيك هذه الحملات وكشف شبكة التحالفات التي عملت على إجهاض التجربة الديمقراطية الوليدة.

ختاماً، يوجه الكاتب دعوة لكل من تولى مسؤولية عامة ويمتلك القدرة على التوثيق بأن يسارع لتسجيل شهادته للتاريخ. فحتى إن تعذر النشر في الوقت الراهن بسبب الظروف السياسية، فإن حفظ هذه المذكرات يضمن بقاء الحقيقة حية للأجيال القادمة التي ستعيد قراءة التاريخ بإنصاف.

دلالات

شارك برأيك

معركة السرديات: هل يمتلك المنهزمون حق كتابة التاريخ؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.