أقلام وأراء

الخميس 12 فبراير 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديّات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (1) خرَزٌ تحت التفتيش


في اللّيل تحديداً، حين تفقد الأشياء أسماءها الواضحة، وحين يصبح الصمت مادة رخوة بيد القادمين من العتمة، وقع الاقتحام.
في قرية المغير، شمال شرق رام الله، لم يكن الليل زمن السكون، بل أداة كاملة في يد الاحتلال؛ يُمسك بها البيوت من رقابها، ويوقظها على فزعٍ مدروس، كما لو أنّ الخوف نفسه بندٌ في التعليمات.

لم يدخلوا بحثًا عن سلاح، بل عن معنى يُشوَّه
وفي هاتف فتى لم يكتمل صوته بعد، وجدوا صورة. صورة قديمة، لزمنٍ لم يكن فيه اللّعب تهمة، ولا البلاستيك خطرًا مؤجّلًا. فتى يحمل سلاحًا من خرَز ملوّن، لعبة انكسرت ثمّ نُسيت، كما تُنسى أشياء الطفولة عادة. قال لهم إنّ الصورة قديمة، وإنّ اللّعبة لم تعد موجودة، وإنّ البلاستيك لا يعرف طريقه إلى القتل. قالوا إنّهم يعرفون. المعرفة هنا لم تكن عائقًا، بل وقودًا. فالاحتلال لا يخطئ، بل يتعمّد.

طالبوا بما انتهى.
أرادوا القطع المكسورة، شظايا لعبة رُميت منذ زمن، كأنّهم يستدعون الماضي ليقف في طابور التفتيش. وحين قيل لهم إنّ اللعبة كانت لطفل آخر، لم يبلغ سوى ثلاث سنوات، في بيت أحد الأقارب، قرروا الانتقال فورًا. فالخوف، حين يُفتح، لا يكتفي ببيت واحد، والقرابة لا تمنح حصانة، بل توسّع دائرة الاشتباه.
قادوا الفتى ليطرق باب بيت أقاربه.
طرق، وقال الجملة التي لا ينبغي أن تُقال إلا في الكوابيس:
"أنا هنا… ومعي الجيش".
خرجت العبارة كضحكة مشروخة، محاولة أخيرة لردّ العبث بالسخرية. لكنّ اللّيل لم يضحك. اللّيل كان يرى كيف تُستَخدم الطفولة دليلًا، وكيف تُستَخدم القرابة ممرًا، وكيف يُطلب من فتى أن يكون جسرًا بين بيتين من الخوف.

فُتّش بيت الأقارب كما تُفتَّش فكرة محرَّمة.
قُلبت الزوايا، نُبشت الأدراج، وبُحث عن لعبة لطفل في الثالثة، لا يعرف أنّ اسمه قد يصبح مبررًا، ولا أنّ خرَزه الملوّن يمكن أن يُقرأ كتهديد. لم يجدوا شيئًا. لأنّ اللّعب، مهما طال التحقيق، يبقى لعبًا، ولأنّ البلاستيك لا يتحوّل إلى رصاص، إلا في خيالٍ قرر أن يرى العالم كله عدواً.
وعندما فشلوا في العثور على الذريعة، أخذوا الفتى نفسه.
أخذوه حافيًا في ليل المغير، كأنّ القدمين العاريتين جزء من العقوبة، وكأنّ الأرض مطالبة بأن تحفظ أثر محاولة الإذلال. وحين حاولت الأيدي أن تمنحه ما يستر خطوه، رُفض العرض. قال لهم الجنود: "ليَعُد كما جاء". فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة، بل يحرص على اكتمال المشهد، بلا نقص إنساني واحد.
في تلك الليلة، لم تُقتحم البيوت فقط، بل اقتُحم التعريف نفسه.
أُعيد تعريف الصورة، واللعبة، والطفل، والليل. صار البلاستيك تهمة، والذاكرة جريمة مؤجلة، والطفولة مساحة اختبار مبكر للقسوة. وفي قرية المغير، كما في أمكنة كثيرة بلا أسماء كافية، فهم الناس مرة أخرى أنّ الاحتلال لا يخاف السلاح الحقيقي، بل يخاف ما يكبر. يخاف صورة تبقى، وفتى يتقدم في العمر، وذاكرة تعرف جيدًا أنّ كل هذا بدأ ذات ليل، حين حوسب اللعب، وسار طفل حافيًا، لأنّ الخوف قرر أن يمارس سلطته حتى على الخرَز.

دلالات

شارك برأيك

سرديّات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (1) خرَزٌ تحت التفتيش

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.