عربي ودولي

الخميس 12 فبراير 2026 8:21 صباحًا - بتوقيت القدس

دبلوماسية الطاقة.. الجزائر تسعى لاستعادة نفوذها في الساحل عبر بوابة النيجر

بدأت الرئاسة الجزائرية في إرسال إشارات انفتاح دبلوماسي جديدة تجاه دول تحالف الساحل، بعد عام شهد توترات غير مسبوقة في المنطقة. وتركزت هذه التحركات بشكل أساسي على النيجر بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، في محاولة لرسم خريطة جديدة للعلاقات مع الجيران الجنوبيين.

واستغل الرئيس عبد المجيد تبون لقاءه الدوري مع الصحافة الوطنية لتوزيع رسائل سياسية وصفت بالودية تجاه نيامي. وأعلن تبون رسمياً عن توجيه دعوة للجنرال تياني لزيارة الجزائر، معرباً عن أمله في أن تساهم هذه الخطوة في إذابة الجليد الدبلوماسي الذي تراكم خلال الفترة الماضية.

وتأتي هذه المبادرة في وقت تشهد فيه العلاقات مع مالي تأزماً مستمراً، حيث حملت الجزائر السلطات في باماكو مسؤولية القطيعة الحالية. وحذر الرئيس الجزائري الجانب المالي من الانجرار وراء أطراف دولية تزودهم بالسلاح مقابل السيطرة على ثروات البلاد واستخدامها كأداة ضد المصالح الجزائرية.

ويرى مراقبون أن الجزائر تسعى لاستعادة زمام المبادرة في منطقة الساحل بعد أن استغل المغرب الفراغ الدبلوماسي لتعزيز حضوره. وكان العاهل المغربي قد استقبل وزراء خارجية دول التحالف لبحث تمكينهم من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، وهو ما أثار حفيظة الجزائر.

وفي إطار ما يعرف بـ 'دبلوماسية المحفظة'، زار وزير الطاقة والمناجم الجزائري نيامي مؤخراً لتأكيد استئناف نشاط شركة سوناطراك. ويعد حقل 'كافرا' النفطي شمال النيجر مشروعاً حيوياً، حيث تقدر احتياطاته بنحو 260 مليون برميل، مما يجعله ركيزة أساسية للاقتصاد النيجيري المستقبلي.

وتراهن الجزائر على أن يشكل النفط نصف العائدات الضريبية للنيجر بحلول عام 2026، مما يعزز التبعية الاقتصادية لنيامي تجاه جارتها الشمالية. كما يبرز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء كأهم ورقة استراتيجية تربط مصالح البلدين مع السوق الأوروبية بشكل مباشر.

ومن المقرر أن تعقد الجزائر اجتماعاً ثلاثياً في شهر مارس المقبل، يهدف إلى وضع نيامي في قلب لعبة النفوذ الإقليمي. وتدرك السلطة العسكرية في النيجر أن أي قطيعة دبلوماسية مع الجزائر ستكون مكلفة اقتصادياً، خاصة في ظل استمرار إغلاق الحدود مع بنين.

وتشير تقارير إلى أن الأسواق النيجرية تعتمد بشكل كبير على المنتجات الأساسية القادمة من الجزائر، نظراً لجودتها وانخفاض تكلفتها مقارنة بالبدائل الأخرى. هذه التبعية الغذائية والطاقوية تفسر صمت نيامي تجاه ملفات حساسة مثل ترحيل المهاجرين الأفارقة عبر الحدود المشتركة.

وعلى الرغم من الانتقادات الحقوقية لعمليات الترحيل التي طالت آلاف المهاجرين في عام 2025، إلا أن السلطات في النيجر لم تبدِ احتجاجات رسمية تذكر. ويبدو أن المصالح الاقتصادية والأمنية العليا باتت تتقدم على الملفات الإنسانية في حسابات المجلس العسكري الحاكم في نيامي.

في المقابل، لا يلقى التقارب الجزائري النيجيري ترحيباً في باماكو، حيث لا تزال السلطات المالية ترفض التعامل مع الجزائر. ويعود ذلك إلى استضافة الجزائر لشخصيات معارضة مالية وقيادات من جبهة تحرير أزواد، وهو ما تعتبره باماكو تدخلاً في شؤونها الداخلية.

ويعتقد باحثون أن النيجر تواجه معضلة حقيقية في الموازنة بين التزاماتها داخل تحالف دول الساحل وبين إغراءات التعاون مع القوة النفطية الجزائرية. فالأزمة الأمنية في الساحل تتطلب تنسيقاً عسكرياً وثيقاً مع مالي وبوركينا فاسو، بينما يتطلب الاقتصاد تعاوناً مع الجزائر.

وتظل بوركينا فاسو حتى الآن مصطفة بقوة إلى جانب الموقف المالي المتشدد تجاه المبادرات الجزائرية، مما يضع وحدة تحالف الساحل على المحك. ويراقب المجتمع الدولي مدى قدرة الجنرال تياني على الحفاظ على 'الصوت الموحد' للتحالف في ظل العروض الاقتصادية المغرية.

إن زيارة الدولة المحتملة للجنرال تياني إلى الجزائر، في حال إتمامها، ستكون الاختبار الحقيقي لمدى تماسك التحالف الثلاثي في الساحل. فإما أن تنجح الجزائر في اختراق هذا التكتل عبر بوابة الاقتصاد، أو يظل التضامن السياسي والعسكري بين دول الساحل هو السائد.

ختاماً، تظهر التحركات الأخيرة أن منطقة الساحل الأفريقي تحولت إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي مفتوح بين القوى الكبرى في شمال أفريقيا. وتستخدم الجزائر أوراق الطاقة والاستثمار لاستعادة دورها التقليدي كلاعب محوري وضامن للاستقرار في عمقها الاستراتيجي الجنوبي.

دلالات

شارك برأيك

دبلوماسية الطاقة.. الجزائر تسعى لاستعادة نفوذها في الساحل عبر بوابة النيجر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.