رغم مرور خمسة أشهر على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي أقر بعدم كفاية الطعام المقدم للأسرى الفلسطينيين، لا تزال التقارير الواردة من خلف القضبان تؤكد استمرار سياسة التجويع الممنهجة. ويخرج الأسرى المحررون من مراكز الاحتجاز بأجساد هزيلة تظهر عليها علامات سوء التغذية الحاد، ويروون قصصاً قاسية عن الحرمان من أبسط المقومات الغذائية الأساسية.
الصحفي الفلسطيني سامر خويره، الذي أُطلق سراحه مؤخراً، كشف عن تفاصيل مروعة حول ظروف احتجازه في سجني 'مجدو' و'نفحة'. وأوضح خويره أنه فقد نحو 22 كيلوغراماً من وزنه خلال تسعة أشهر من الاعتقال الإداري، حيث كانت الوجبات اليومية تقتصر على بضع قطع من الخبز الرقيق وكميات ضئيلة جداً من الحمص والطحينة.
وأشار خويره إلى أن الحالة الجسدية التي وصل إليها جعلت أفراد عائلته، ومن بينهم طفله ذو التسعة أعوام، يعجزون عن التعرف عليه لحظة استقباله. فقد خرج الأسير المحرر بجسد نحيل للغاية وقروح جلدية ناتجة عن مرض الجرب، مما يعكس تدهور الرعاية الصحية والبيئة المعيشية داخل السجون الإسرائيلية منذ بدء الحرب.
وفي محاولة للتغلب على الجوع الدائم، ذكر خويره أن الأسرى كانوا يلجؤون لادخار أجزاء من حصصهم الغذائية اليومية المتواضعة ليجمعوها في يوم واحد. وكان الهدف من هذه الخطوة هو محاولة الشعور بالشبع لمرة واحدة فقط في الأسبوع، في ظل سياسة تقنين صارمة تتبعها إدارة السجون ضد آلاف المعتقلين.
من جانبها، أكدت مصادر حقوقية أن هذه الشهادات تتطابق مع 13 تقريراً قانونياً أعدها محامون زاروا السجون مؤخراً، حيث اشتكى عشرات الأسرى من نقص حاد في المؤن. واتهمت جمعية حقوق المواطن الحكومة الإسرائيلية بالتستر على 'سياسة تجويع' مقصودة، مشيرة إلى أن مصلحة السجون لم تلتزم بقرار المحكمة القاضي بتحسين الأوضاع.
في المقابل، تواصل مصلحة السجون الإسرائيلية نفي هذه الاتهامات، مدعية أنها تلتزم بالمعايير المهنية والقانونية في تقديم الغذاء والرعاية الطبية. وزعم المتحدث باسم المصلحة أن جميع الحقوق الأساسية مكفولة وفق الإجراءات المعمول بها، رغم الشهادات الميدانية والصور التي تثبت عكس ذلك تماماً.
وتزداد صعوبة التحقق من أوضاع الأسرى في ظل استمرار منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة السجون منذ أكتوبر 2023. وقد قدمت منظمات حقوقية التماسات للمحكمة العليا للسماح بالزيارات الدولية، واتهمت إدارة السجون بازدراء القضاء لعدم امتثالها للأوامر الصادرة بتحسين ظروف الاعتقال.
كنا ندخر نصف حصة الخبز ليوم السبت لنشعر بالشبع ولو لمرة واحدة في الأسبوع.. نحن لا نشبع أبداً داخل السجون.
وكان وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير قد اتخذ قرارات علنية لتقليص الغذاء المقدم للأسرى، شملت إغلاق المخابز داخل السجون. وبرر بن غفير هذه الإجراءات برغبته في إلغاء ما وصفها بـ 'المزايا ومظاهر الترف'، وهو ما اعتبره حقوقيون ضوءاً أخضر لممارسة التنكيل الممنهج بحق المعتقلين.
النتائج الكارثية لهذه السياسة لم تتوقف عند الهزال الجسدي، بل وصلت إلى حد الوفاة، حيث وثقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان استشهاد 101 فلسطيني قيد الاحتجاز. ومن بين هؤلاء الطفل وليد أحمد الذي توفي نتيجة مضاعفات صحية مرتبطة بسوء التغذية المزمن الذي أضعف جهازه المناعي بشكل كامل.
وأظهر تشريح جثة الشهيد وليد أحمد فقداناً حاداً في الكتلة العضلية والدهون، مما جعل جسده عاجزاً عن مقاومة أي عدوى بسيطة. وتؤكد التقارير الطبية أن الجوع المزمن يحول السجون إلى بيئة خصبة للأمراض الفتاكة، حيث يصبح أي عارض صحي بسيط تهديداً مباشراً لحياة الأسير في ظل غياب التغذية.
وتشير أماني سراحنة، مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني، إلى أن الاحتلال يستخدم الجوع كأداة للضغط النفسي والجسدي على حد سواء. فالحرمان من الطعام يمس غريزة بشرية أساسية، ويهدف الاحتلال من خلاله إلى تحطيم معنويات الأسرى وإشعارهم بالعجز الدائم أمام احتياجاتهم البيولوجية البسيطة.
وتشهد السجون الإسرائيلية تضخماً كبيراً في أعداد المعتقلين منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حيث اعتقل الآلاف من القطاع والضفة الغربية. وتتم عمليات الاعتقال غالباً دون توجيه تهم واضحة، كما حدث مع الصحفي خويره الذي لم يبلغ بآسباب احتجازه طوال فترة اعتقاله الإداري.
ورغم إطلاق سراح بعض الأسرى في صفقات تبادل أو انتهاء محكومياتهم، إلا أن الآثار الصحية والنفسية للتجويع تلازمهم لفترات طويلة. ويحتاج المحررون إلى رعاية طبية مكثفة لاستعادة أوزانهم الطبيعية وعلاج الأمراض الجلدية والمعوية التي أصيبوا بها نتيجة انعدام النظافة وسوء التغذية.
تستمر المطالبات الدولية والحقوقية بضرورة فتح السجون الإسرائيلية أمام الرقابة الدولية المستقلة لوقف هذه الانتهاكات الصارخة. ومع ذلك، تواصل سلطات الاحتلال ضرب عرض الحائط بكافة المواثيق الدولية وقرارات محاكمها المحلية، مما يضع حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين في خطر محدق ومستمر.





شارك برأيك
سياسة التجويع في سجون الاحتلال: شهادات مروعة لأسرى فقدوا أوزانهم وأجساداً نخرها الهزال