شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية تصعيداً غير مسبوق في حدة الاتهامات المتبادلة بين أقطاب الحكم السابقين والحاليين، حيث شن وزير الدفاع السابق يوآف غالانت هجوماً مباشراً وصريحاً على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وصف غالانت نتنياهو بـ 'الكاذب'، متهماً إياه بمحاولة صياغة سردية مضللة تهدف إلى التنصل من المسؤولية الكاملة عن الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي سبقت ورافقت هجوم السابع من أكتوبر 2023.
جاء هذا الانفجار في التصريحات عقب قيام نتنياهو بنشر وثيقة مطولة مكونة من 55 صفحة، تتضمن ردوده الرسمية التي قدمها لمراقب الدولة بشأن أحداث الحرب. وحاول نتنياهو من خلال هذه الوثيقة إعادة إلقاء اللوم على قيادات الجيش والمؤسسات الأمنية، مدعياً أنهم قللوا من خطورة التهديدات القادمة من قطاع غزة وعارضوا اتخاذ إجراءات استباقية حاسمة.
واعتبر غالانت، في مقابلة مع وسائل إعلام إسرائيلية أن توقيت نشر هذه الوثيقة يمثل طعنة في ظهر الجنود والمؤسسة العسكرية في وقت لا تزال فيه العمليات القتالية مستمرة. وأكد أن نتنياهو عمل بشكل ممنهج على التحريض ضد قادة الجيش وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، محاولاً تصوير نفسه كالشخصية الوحيدة التي كانت تطالب بالتشدد تجاه الفصائل الفلسطينية.
وكشف وزير الدفاع السابق عن تناقضات حادة في رواية نتنياهو، مشيراً إلى أن الأخير لم يكن مؤيداً لعمليات اغتيال كبرى مثل استهداف الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في بداياتها. وأوضح أن هناك فجوة شاسعة بين الخطاب العلني المتشدد الذي يسوقه رئيس الوزراء أمام الجمهور، وبين الحسابات السياسية والشخصية التي تحكم قراراته داخل الغرف المغلقة.
وفيما يخص العمليات العسكرية في مدينة رفح، فند غالانت ادعاءات نتنياهو بأن التأخير كان بسبب مخاوف لدى قيادة الجيش. وأوضح أن السبب الحقيقي كان لوجستياً بحتاً، حيث سعى الجيش لتأمين مخزون كافٍ من الذخيرة تحسباً لاندلاع صراع واسع على الجبهة الشمالية، بعيداً عن التبريرات السياسية التي يحاول نتنياهو ترويجها.
كما تطرق غالانت إلى ملف التمويل، متهماً نتنياهو بتبني سياسة استراتيجية تقوم على السماح بمرور الأموال إلى قطاع غزة لسنوات طويلة. وزعم أن هذه السياسة كانت تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، لكنها أدت في نهاية المطاف إلى تعزيز القدرات العسكرية للفصائل في غزة بدلاً من ردعها كما كان يُشاع.
وانتقد الوزير السابق بشدة أسلوب نتنياهو في إدارة الأزمات، قائلاً إن أولوياته تبدأ بنفسه أولاً، ثم بقاء حكومته، وفي المرتبة الأخيرة تأتي مصلحة الدولة. وأضاف أن رئيس الوزراء ينسب لنفسه النجاحات العسكرية فقط، بينما يسارع لتحميل الآخرين مسؤولية أي إخفاق أو تعثر يواجه السياسات الإسرائيلية.
لدينا رئيس وزراء كاذب.. بينما كان جنودنا يموتون، اختار أن يطعنهم في ظهورهم عبر التحريض على قادة المؤسسة الأمنية.
من جانبه، انضم زعيم المعارضة يائير لبيد إلى جبهة الهجوم، مؤكداً أن وثيقة نتنياهو هي محاولة بائسة لمحو التاريخ وتزوير الحقائق الثابتة. وأشار لبيد إلى أنه حذر نتنياهو شخصياً في أغسطس 2023 من خطر اشتعال جبهات متعددة بناءً على تقارير استخبارية دقيقة، متسائلاً كيف يمكن لرئيس الوزراء ادعاء الجهل بتلك المخاطر.
وتأتي هذه المعركة الكلامية في وقت حساس للغاية، حيث يواجه كل من نتنياهو وغالانت مذكرات اعتقال دولية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية منذ نوفمبر 2024. وتزيد هذه الملاحقات القانونية الدولية من تعقيد المشهد الداخلي، حيث يحاول كل طرف تبرئة ساحته أمام الرأي العام الإسرائيلي والمجتمع الدولي على حد سواء.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تآكل واضح في شعبية نتنياهو، حيث أعرب أكثر من نصف الإسرائيليين عن رغبتهم في اعتزاله العمل السياسي. ومع ذلك، يبدو نتنياهو مصمماً على خوض الانتخابات المقبلة، مستخدماً كافة الأدوات المتاحة للدفاع عن روايته السياسية وضمان بقائه في السلطة رغم قضايا الفساد التي تلاحقه.
ويرى مراقبون أن رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة حتى الآن يعزز من شكوك المعارضة والمؤسسة العسكرية حول نواياه الحقيقية. فبدلاً من اللجنة الرسمية، يدفع نتنياهو باتجاه تشكيل لجنة 'سياسية' تمنح ائتلافه الحاكم القدرة على اختيار أعضائها، وهو ما تعتبره المعارضة محاولة لدفن الحقائق.
إن الصراع الحالي في إسرائيل تجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي ليتحول إلى 'معركة سرديات' وجودية تمس صلب العقيدة الأمنية للدولة. ويُقارن هذا الانقسام بتبعات حرب عام 1973، إلا أن مراقبين يرون أن الزلزال الحالي أشد وقعاً نظراً لحجم الفشل الاستخباري والسياسي غير المسبوق في تاريخ إسرائيل.
ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، يتوقع أن تزداد وتيرة التسريبات من محاضر الاجتماعات السرية، حيث يحاول كل معسكر استخدام المعلومات الأمنية كسلاح سياسي. هذا الاستقطاب الحاد يثير مخاوف جدية داخل المجتمع الإسرائيلي من احتمال انزلاق الخلافات السياسية إلى أعمال عنف في الشارع قبيل التوجه لصناديق الاقتراع.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال المعلق في الشارع الإسرائيلي حول من سيتمكن من فرض روايته النهائية عن أحداث أكتوبر. وبين اتهامات غالانت بالخداع ودفاعات نتنياهو بالوثائق المسربة، تظل الحقيقة غائبة في ظل غياب تحقيق رسمي ومستقل يضع النقاط على الحروف في أخطر أزمة تواجهها إسرائيل منذ عقود.





شارك برأيك
غالانت يصف نتنياهو بـ 'الكاذب' ويتهمه بتزييف حقائق إخفاق 7 أكتوبر