أقلام وأراء

الجمعة 06 فبراير 2026 9:44 مساءً - بتوقيت القدس

في تابعية الفاعل السياسي التونسي وسقف حريته

مهما كان التموضع في السجال العمومي الذي أثاره الدكتور أبو يعرب المرزوقي فيما يتصل بعلاقة حركة النهضة باللوبي الصهيوني أو بالإمبريالية الغربية، فإن واجب التفكير يدفع نحو مناطق غير مفكر فيها لدى النخب وقواعد الحركة وخصومها. ولا يهدف هذا الطرح إلى الانحياز لمواقف الشيطنة أو المثالية تجاه الحركات الإسلامية، بل يسعى لإعادة صياغة القضية عبر توسيع مفهوم 'التابع' عند المفكرة الهندية غاياتري سبيفاك ليشمل الفاعلين السياسيين داخل منظومة الاستعمار الداخلي.

ويرى الدكتور أبو يعرب المرزوقي أن حركة النهضة ليست 'التابع الأوحد' للصهيونية، بل هي آخر الآخذين بهذا الخيار بعد نخب حداثية وديمقراطية اعتبرت نفسها حصناً ضد 'الرجعية الدينية'. وبما أن مطلب 'الاستئناف الحضاري' يقتضي المفاصلة الفكرية للخروج من مرحلة 'الصدى'، فإن الصراع يتركز مع 'صوت التابع' غير المطابق لروح الإسلام، مهما كانت مرجعيته الأيديولوجية أو موقعه في السلطة والمعارضة.

وتطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه 'التابعية' مرتبطة فقط بالمشروع الصهيوني، أم أنها تمتد لثقافة 'الشيخ والمريد' وعجز المؤسسات الحزبية عن الخروج من هرمية 'الزاوية'، كما بين الباحثان عبد الله حمّودي ونور الدين الزاهي. بل إن السؤال يمتد لمشروع الاستئناف الحضاري نفسه: هل يتحرك خارج هذه الثقافة أم أنه يغذيها رغم هجومه على الباطنية والحداثوية باعتبارهما مظاهر اغتراب عن الأصل النبوي؟

إن تابعية الفاعل السياسي في تونس، المتمثلة في عدم امتلاك صوت مستقل، ترتبط بـ 'عولمة' ثقافة الشيخ والمريد في بنية الوعي العميقة. فالفاعل السياسي يمارس دور 'الشيخ' مع أتباعه و'المريد' تجاه التراث أو الغرب. وهذه الملاحظة قد تشمل حتى صاحب مشروع الاستئناف الحضاري الذي يظهر كـ 'شيخ' لقرائه و'مريد' في زاوية شيوخها ابن تيمية والغزالي وابن خلدون، مما يخلق هوة بين التمثل الذاتي للخطاب وبنيته العميقة.

وتجد هذه التابعية جذرها الأعمق في بنية معرفية تتعلق بكيفية استمرار 'النبوة' بعد وفاة الرسول ﷺ، وهو ما حلله بوبي س. سيد في كتابه 'الخوف الأصولي'. فبينما اختارت الثقافة السنية الاستمرار عبر 'النص'، والشيعية عبر 'الأئمة'، فإن 'التصدر للعامة' في الفكر التقليدي لم يكتسب شرعيته إلا بادعاء التماهي مع مقصد 'الشارع'، مما حول العوام إلى تابعين غير معنيين بالتفكير الحر.

وفي الختام، فإن المدخل الحقيقي لكسر التابعية يكمن في الخروج من هذه التمثلات التراثية التي تحكم عقول النخبة، سواء تلك التي تجعل التحديث معادياً للدين في الفضاء العام، أو تلك التي تظن أنها تستأنف روح النبوة بينما هي تستأنف روح الطائفة في مقالاتها الأكثر اغتراباً عن قيم الرحمة العالمية.

دلالات

شارك برأيك

في تابعية الفاعل السياسي التونسي وسقف حريته

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.