تحليل إخباري
في خطوة تنذر بتحوّل عميق في هوية واحدة من أعرق المؤسسات الصحافية الأميركية، أعلنت إدارة صحيفة "واشنطن بوست" عن موجة واسعة من تقليصات الكادر وإعادة هيكلة غرف الأخبار، في قرار سيطال معظم الأقسام ويقود عملياً إلى تقليص حضور الصحيفة محلياً ودولياً، وإغلاق وحدات تحريرية كانت جزءاً ثابتاً من بنيتها المهنية.
وخلال اتصال هاتفي شامل مع الموظفين صباح الأربعاء، قال مات موراي، رئيس التحرير التنفيذي، إلى جانب واين كونيل، كبير مسؤولي الموارد البشرية، إن "كل قسم عبر غرفة الأخبار سيتأثر بدرجة أو بأخرى". وبحسب تسجيل للمكالمة جرى تداوله داخل الأوساط الإعلامية، تشمل الخطة إغلاق قسم الرياضة وقسم الكتب، وتعليق بودكاست سياسي بعنوان Post Reports، إضافة إلى إعادة هيكلة فريق "المترو" المعني بتغطية العاصمة وضواحيها. وأوضح موراي أن عدد المحررين سيُخفض "بشكل كبير"، وأن فرق الفن والإخراج ستُدمج، في خطوة وصفها بلهجة بدت أقرب إلى الاعتراف منها إلى التبرير: "هذه التحركات مؤلمة... هذا يوم صعب".
غير أن البند الأكثر دلالة كان إعلان الإدارة تقليص البصمة الدولية للصحيفة، مع الإبقاء على "وجود خارجي استراتيجي" في "نحو اثني عشر موقعا"، وبتركيز مُعلن على ملفات الأمن القومي. هذا التحول، الذي قد يبدو تنظيماً للموارد، يُقرأ داخل المؤسسة بوصفه انكماشاً تدريجياً لصحافة الميدان لصالح صحافة "الملفات الكبرى" التي تُدار من المكاتب أكثر مما تُصنع من الأرض.
وفي هذا السياق، برز قرار إلغاء موقع مراسل الصحيفة في القدس المحتلة ضمن حزمة الإنهاءات التي طالت كامل فريق التغطية في الشرق الأوسط، وهو قرار يتجاوز كونه إجراءً إدارياً. فالقدس، بما تمثله من مركز سياسي وديني ورمزي للصراع، ليست مجرد نقطة على خريطة التغطية الدولية، بل مساحة يتداخل فيها الخبر مع التاريخ، والواقع مع الرواية، وتحتاج إلى عين صحافية ثابتة على الأرض، لا إلى "تغطية عن بعد" تُدار من العواصم.
وإلى جانب القدس، طالت التسريحات رئيس مكتب أوكرانيا شيفون أوغرادي والمراسلة ليزي جونسون، ما يعكس اتجاهاً أوسع نحو تقليص التغطية الميدانية في مناطق النزاع، في لحظة يُفترض فيها أن تكون الصحافة الدولية أكثر ضرورة لا أقل. كما شملت قائمة المسرّحين صحافيين بارزين من بينهم إيشان ثارور، وإيشا دو، وخيسوس رودريغيز، ودينو غراندوني، ونيلو تبريزي الذي كان قد حاز قبل أيام فقط إشادة مهنية عن تغطيته الشخصية للأحداث في إيران، إضافة إلى كارولاين أودونوفان التي كانت تغطي أمازون، فضلاً عن فريق الشرق الأوسط كاملاً.
ورغم أن موراي أكد أن تغطية السياسة والحكومة ستظل "الجزء الأكبر" من عمليات "واشنطن بوست"، فإنه تحدث عن "إعادة ضبط إستراتيجية" طال انتظارها، قائلاً إن المؤسسة "لم تطوّر نموذجها ولا عملياتها كما ينبغي"، وإن الأزمة ليست نتيجة "حدث واحد" أو "نقطة لوم سهلة"، بل تراكمات طويلة. غير أن هذا الخطاب بدا لكثيرين داخل غرفة الأخبار أقرب إلى محاولة ترتيب السردية بعد وقوع الصدمة، لا تفسيراً مقنعاً لأسبابها.
وكانت شائعات التسريحات تتردد منذ أسابيع، لكن الإحساس بالخطر كان أقدم من ذلك. أحد الموظفين وصف طريقة إدارة الأزمة بأنها أقرب إلى "حرب نفسية"، فيما قال آخر إن الروابط الإعلامية التي كانت تتحدث عن التقليصات جرى تداولها داخل المؤسسة "كما لو كانت منشورات سرية"، وأن الشعور العام كان كـ"مقصلة معلقة فوق الرؤوس". ومع ذلك، يضيف الموظف نفسه، فإن الصحيفة "كانت تقوم بعمل صحافي جيد"، ما جعل الصدمة مضاعفة: أداء مهني صاعد في مقابل قرار إداري هابط.
وتتجه أصابع الاتهام داخل المؤسسة نحو جيف بيزوس، مؤسس أمازون الذي اشترى الصحيفة عام 2013، وإلى ويل لويس، الناشر الذي تولى منصبه في 2024 قادماً من بيئة روبرت مردوخ الإعلامية. أحد الموظفين وصف لويس بأنه "يجيد الكلام أكثر مما يجيد البناء". وفي محاولة لتطويق الغضب، قال موراي إنه يريد أن يكون "واضحا" بأن التزام الصحيفة بـ"صحافة عالية التأثير تُحاسب السلطة دون خوف أو محاباة" ما يزال "راسخاً"، مؤكداً ثقته بأن هذا الالتزام "يصل إلى أعلى مستويات الشركة".
لكن هذه اللغة الرسمية اصطدمت ببيان شديد اللهجة من مارتي بارون، رئيس التحرير التنفيذي السابق، الذي قال إن ما يحدث "من بين أحلك الأيام في تاريخ واحدة من أعظم المؤسسات الإخبارية في العالم"، محذراً من أن طموحات الصحيفة "ستتقلص بشدة"، وأن الجمهور سيُحرم من "التقارير الميدانية القائمة على الحقائق" في المجتمع الأميركي، وحول العالم.
وفي خلفية المشهد، يتعامل كثيرون داخل "واشنطن بوست" مع قرار بيزوس الأخير بسحب تأييد مجلس التحرير لـكامالا هاريس بوصفه لحظة مفصلية. ففي الأيام التي تلت القرار، ألغى أكثر من 250 ألف قارئ اشتراكاتهم. ويعتقد صحافيون أن الأزمة المالية كانت قائمة، لكن تلك الخطوة عمّقت الأزمة ودفعت إلى نزوح جماعي للمشتركين، بالتوازي مع فشل الإدارة في خلق مصادر إيرادات جديدة.
وزادت الحساسية أيضاً بعد قيام مكتب التحقيقات الفيدرالي بمداهمة منزل الصحافية هانا ناتانسون في سياق تحقيق تسريب، إذ عبّر موظفون عن انزعاج خاص من أن بيزوس "لم يقل شيئاً"، في لحظة كان يُفترض أن تقف فيها الملكية خلف صحافييها.
وتتضح المفارقة الأعمق في أن ما يحدث ليس مجرد تسريحات، بل إعادة تعريف لماهية الصحافة في عصر مالكي المليارات. فحين تتحول المؤسسة إلى مشروع يُدار بمنطق العلامة التجارية لا بمنطق الخدمة العامة، تصبح الأقسام الأقل ربحية—كالرياضة والكتب والتغطيات الدولية—أول الضحايا، رغم أنها ما يمنح الصحيفة عمقها الثقافي والإنساني. والخطر أن يُختزل الدور التحريري إلى "أمن قومي وسياسة واشنطن"، فتغدو الصحافة أقرب إلى عين للسلطة منها إلى رقيب عليها.
كما تكشف الأزمة مفارقة عصر الذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تُخفف الضغط عن غرف الأخبار، تحولت إلى عامل يسرّع تآكل عائداتها عبر ثقافة "الملخصات" التي تسحب الجمهور من المصدر الأصلي، ثم تُستدعى لاحقاً كذريعة جاهزة لتقليص الكادر. لكن ما تتجاهله الإدارة هو أن الحل لا يمر عبر المزيد من الحذف، بل عبر استعادة الثقة وترميم الهوية التحريرية. فالصحافة التي تُقصي مراسلها من القدس المحتلة، وتغلق وحدات الثقافة والرياضة، لا تخسر موظفين فقط، بل تتنازل تدريجياً عن جزء جوهري من قدرتها على رواية العالم كما هو: من الميدان، لا من خلف الشاشات.





شارك برأيك
تفكيك صحيفة "واشنطن بوست" وإعادة تعريف الصحافة داخل غرفة الأخبار