في ذكرى رحيل القائد الوطني الفلسطيني كفاح العويوي، لا نستحضر اسمًا أو سيرة فحسب، بل نستشعر فراغًا وطنيًا يتجلى اليوم بوضوح أكبر من أي وقت مضى. فغيابه لم يكن غياب فرد، بل غياب نموذج قيادي نفتقده ونحن نقترب من استحقاقات مفصلية، في مقدمتها انتخابات البلديات والمؤتمر الثامن لحركة فتح، في ظل حالة من الارتباك والتيه التنظيمي والوطني.
كان كفاح العويوي يؤمن بأن القيادة مسؤولية لا موقع، وبأن التنظيم فعل مؤسسي حي، لا شعارًا يُرفع. وخلال قيادته لحركة فتح في المدينة، عمل بوضوح وإصرار على تصويب مسار المؤسسات، والانتقال من إدارة الواقع القائم إلى تغييره، ومن الجمود إلى البناء والتجديد. لم يساوم يومًا على الديمقراطية، ولم يتعامل معها كخطاب سياسي، بل كممارسة فعلية. أعلن برنامجًا واضحًا لإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، وأصر على إجراء الانتخابات في البلديات والنقابات والاتحادات التي غابت لعقود طويلة. ورغم صعوبة الطريق وكثرة التحديات، اختار المواجهة وتحمل المسؤولية بدل الهروب أو التبرير.
وقد أسهمت هذه الرؤية في إحداث حالة ديمقراطية نادرة، أفرزت قيادات جديدة، وأعادت الحياة إلى مؤسسات أنهكها الإقصاء والتهميش. كان يؤمن بأن بناء المؤسسات هو المدخل الحقيقي لحماية المشروع الوطني، وبأن تجديد الدماء شرطٌ أساسي لاستمرار الفكرة، لا احتكارها.
اليوم، ومع اقتراب الانتخابات البلدية، تشعر الخليل ومعها الوطن بحاجةٍ متجددة إلى هذا النموذج القيادي. نفتقد وضوحه وجرأته، وقدرته على الجمع بين الصلابة السياسية والبعد الإنساني، ونفتقده في لحظة تحتاج فيها الحركة إلى من يعيد البوصلة، ويمنح الكادر الثقة، ويحوّل القلق إلى فعل منظم ومسؤول.
ورغم الغياب، يبقى حضوره قائمًا في الوعي الجمعي، وفي كل نقاش جاد حول معنى القيادة ودورها. حضوره يتجلى كلما التبس الطريق أو ضاق الأفق، وتبقى سيرته شاهدًا على الفرق بين من يدير الأزمات ومن يصنع الحلول.
رحم الله كفاح العويوي،
فقد غاب جسدًا، وبقي أثرًا،
وبقي سؤاله حاضرًا في وجدان الجميع:
كيف نبني وطنًا بلا مؤسسات؟
وكيف نُجدد حركة بلا ديمقراطية؟
أقلام وأراء
الأربعاء 14 يناير 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
كفاح العويوي… الغائب الحاضر في زمن الاستحقاق الوطني