في تصعيد لافت يعكس تحوّلاً حاداً في الخطاب الأميركي تجاه طهران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، إلغاء جميع قنوات التواصل مع المسؤولين الإيرانيين على خلفية القمع العنيف الذي تواجه به السلطات الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ أواخر الشهر الماضي، موجهاً رسالة مباشرة إلى الإيرانيين قال فيها: "استمروا في الاحتجاج... المساعدة قادمة في طريقها".
ولم يقدّم ترمب أي توضيحات بشأن طبيعة هذه "المساعدة"، مكتفياً برسائل مشحونة عبر منصة "تروث سوشيال"، دعا فيها المتظاهرين إلى "السيطرة على مؤسساتهم"، وحثهم على "حفظ أسماء القتلة والمعتدين"، في لهجة بدت أقرب إلى التحريض السياسي منها إلى الدبلوماسية التقليدية. وجاء هذا الموقف بعد أيام فقط من تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي أشار فيها إلى رغبة إيرانية في فتح باب التفاوض مع واشنطن، عقب تهديده بشن ضربات عسكرية على الجمهورية الإسلامية.
هذا التحوّل المفاجئ في الموقف الأميركي أثار تساؤلات واسعة حول نوايا البيت الأبيض وحدود تدخله المحتمل، لا سيما أن ترمب سبق أن لوّح مراراً باستخدام القوة العسكرية إذا ثبت أن طهران تستخدم "القوة المميتة" ضد المتظاهرين. ومع ذلك، امتنع الرئيس عن الإعلان عن قرار نهائي، مؤكداً أنه ما زال يتشاور مع فريقه للأمن القومي لتقييم حجم الخسائر البشرية وحجم الاعتقالات.
وقال ترامب إن الأرقام المتداولة عن أعداد القتلى "كبيرة وصادمة"، مشيراً إلى أنه تلقى "خمسة تقديرات مختلفة" حول الضحايا، دون أن يتمكن من التحقق من رقم دقيق. غير أن منظمات حقوقية، وعلى رأسها وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، أفادت بمقتل أكثر من 2000 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات في 28 كانون الأول 2025 ، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى اعتقال ما يزيد على 16,700 متظاهر في مختلف أنحاء البلاد.
في المقابل، ردّت طهران بغضب على تصريحات الرئيس الأميركي. إذ بعث السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، برسالة رسمية إلى مسؤولي المنظمة الدولية، وصف فيها خطاب ترمب بأنه "تدخلي ومتهور"، ويتضمن تحريضاً مباشراً على زعزعة الاستقرار والعنف، ويمسّ بسيادة إيران وسلامتها الإقليمية وأمنها القومي.
وتواصل وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية بث تسجيلات اعتراف لمحتجين، بلغ عددها ما لا يقل عن 97 مقطعاً، يظهر فيها المتظاهرون وهم يعربون عن "ندمهم" ويتحدثون عن "مؤامرات خارجية" تقف وراء الاحتجاجات، مع إشارات متكررة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن منظمات حقوق الإنسان المتواجدة في الغرب ، تؤكد أن هذه الاعترافات انتُزعت تحت الإكراه، في أسلوب اعتاد عليه التلفزيون الرسمي الإيراني، لكن بوتيرة غير مسبوقة.
ورغم التصعيد في لهجته، تهرّب ترمب من الإجابة المباشرة عندما سُئل عن طبيعة المساعدة التي وعد بها الإيرانيين، مكتفياً بالقول: "عليكم أن تكتشفوا ذلك بأنفسكم". إلا أن إدارته بدأت فعلياً دراسة خيارات متعددة، تتراوح بين الضغط الدبلوماسي المشدد، وفرض عقوبات اقتصادية جديدة، وصولاً إلى خيارات عسكرية "قوية للغاية"، بحسب تعبير الرئيس.
وفي هذا السياق، أعلن ترمب عزمه فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران، في خطوة من شأنها توسيع دائرة المواجهة لتشمل قوى اقتصادية كبرى مثل الصين وروسيا وتركيا والإمارات. في المقابل، حذرت إيران من أن أي تدخل عسكري أمريكي سيجعل القوات الأمريكية والإسرائيلية "أهدافاً مشروعة".
وتتزامن هذه الأزمة مع انشغال إدارة ترمب بسلسلة ملفات دولية شائكة، من غزة وأوكرانيا، إلى فنزويلا، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة واشنطن على خوض مواجهة مفتوحة جديدة. ومع ذلك، يرى ناشطون ومعارضون إيرانيون مثل "مجاهدي خلق" أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لإضعاف النظام الحاكم، في ظل احتجاجات تُعد الأكبر منذ سنوات، اندلعت بسبب انهيار العملة وتحوّلت إلى تحدٍ مباشر لسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي.
ويحمل خطاب ترمب للإيرانيين مزيجاً معقداً من الرسائل السياسية، فهو من جهة يرفع سقف التوقعات الشعبية داخل إيران، ومن جهة أخرى يترك عمداً مساحة غموض واسعة حول طبيعة التدخل الأميركي. هذا الغموض قد يكون مقصوداً لزيادة الضغط النفسي على النظام الإيراني، لكنه في الوقت ذاته يضع المتظاهرين أمام رهانات خطرة، إذ إن أي تصعيد غير محسوب قد يدفع طهران إلى مزيد من العنف تحت ذريعة "المؤامرة الخارجية".
الاحتجاجات الجارية تكشف عن أزمة عميقة في طهران، تتجاوز البعد الاقتصادي إلى أزمة شرعية سياسية. غير أن الرهان على تدخل خارجي لإحداث التغيير يظل سيفاً ذو حدين، إذ يضع المتظاهرين أمام تهمة العمالة للدول الغربية من قبل الشعب الإيراني. وبينما تسعى واشنطن إلى توظيف اللحظة لصالحها، يبقى مستقبل الحراك مرهوناً بقدرته على الاستمرار كقوة داخلية مستقلة، لا كورقة في صراع دولي أوسع.





شارك برأيك
ترمب للإيرانيين: استمروا في الاحتجاج ...المساعدة قادمة