عربي ودولي

الجمعة 09 يناير 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

تقاعد ستيني هويار من الكونغرس بعد عقود من النفوذ المؤيد لإسرائيل والولاء ل"إيباك"

واشنطن- سعيد عريقات - "القدس" دوت كوم

تحليل إخباري

أعلن النائب الديمقراطي المخضرم من ولاية ميريلاند ، ستيني هويار ، يوم الخميس، اعتزامه التقاعد بعد أكثر من أربعة عقود في الكونغرس الأميركي. ولا يقتصر تقاعد هويار من مجلس النواب على نهاية مسيرة سياسية طويلة، بل يفتح بابًا واسعًا لإعادة تقييم دور أحد أبرز مهندسي العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل داخل المؤسسة التشريعية الأميركية. فهويار، الذي شغل مواقع قيادية رفيعة في مجلس النواب، وعرف كرجل منظمة "إيباك" الأول ، كان طوال سنواته الطويلة رمزًا لما يُعرف بـ"الإجماع المؤيد لإسرائيل" داخل الحزب الديمقراطي، وحلقة وصل مركزية بين القيادة الحزبية ولوبيات الضغط المؤيدة لتل أبيب، وعلى رأسها «إيباك».

منذ انتخابه عام 1981، رسّخ هويار موقعه بوصفه سياسيًا براغماتيًا يميل إلى الوسط، لكنه في ملف إسرائيل تبنّى موقفًا ثابتًا لا لبس فيه: دعم غير مشروط للمساعدات العسكرية، وتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي للسياسات الإسرائيلية، حتى عندما تعارضت بوضوح مع القانون الدولي أو مع الخطاب الأميركي المعلن حول حل الدولتين. هذا الثبات لم يكن مجرد موقف أيديولوجي، بل كان جزءًا من بنية نفوذ متكاملة، استخدم فيها هوير موقعه القيادي لتوجيه النقاش الداخلي داخل الحزب، واحتواء الأصوات الناقدة، لا سيما مع صعود الجناح التقدمي.

أحد أكثر مظاهر هذا النفوذ دلالة يتمثل في قيادته المتكررة لوفود الكونغرس إلى إسرائيل، وهي رحلات كانت تُنظَّم وتُموَّل عبر "مؤسسة التعليم الأميركية-الإسرائيلية" (AIEF)، الذراع المرتبط بلوبي "إيباك". وقد تحوّلت هذه الرحلات، التي كانت تُعقد غالبًا كل عامين خلال العطلة البرلمانية، إلى طقس سياسي شبه مؤسسي، يشارك فيه عدد كبير من النواب الجدد، المنتخبين في الدورة الانتخابية الأخيرة في كل مرة (عادة في شهر آب من كل عام بعد عام.

لم تكن هذه الرحلات مجرد زيارات بروتوكولية، بل كانت مصممة بعناية لتشكيل الإطار الذهني للنواب الجدد حول "أمن إسرائيل" و"التهديدات الإقليمية"، من خلال جولات ميدانية ولقاءات مع قادة عسكريين ومسؤولين إسرائيليين، في مقابل حضور محدود – أو رمزي – للرواية الفلسطينية. وبقيادة هويار، اكتسبت هذه الوفود طابعًا حزبيًا منظمًا، إذ كان يُنظر إليها كجزء من عملية إدماج النواب الجدد في "الإجماع النيابي التقليدي" بشأن دعم كل ما تفعله إسرائيل، بما فيها حرب الإبادة الإسرائيلية.  

هنا تبرز الإشكالية الجوهرية: فبينما تُقدَّم هذه الرحلات على أنها نشاط تعليمي مشروع، يرى المراقبون أنها شكل من أشكال التأثير الناعم الفعالة الذي تمارسه جماعات الضغط، خاصة عندما تستهدف مشرّعين في بداياتهم السياسية، قبل أن تتبلور مواقفهم المستقلة. وفي هذا السياق، لعب هويار دور "الضامن السياسي" لهذه العملية، مستفيدًا من ثقله التنظيمي ومن علاقاته الوثيقة مع ممولي الحملات الانتخابية المؤيدين لإسرائيل.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصدّعًا واضحًا في هذا النموذج. فمع تصاعد الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، ومع تزايد الحديث عن الاستيطان وحقوق الإنسان، بدأت أعداد النواب الجدد المشاركين في هذه الرحلات تتراجع. كما بات بعض الديمقراطيين يعلنون صراحة رفضهم تلقي دعم "إيباك"، في مؤشر على تحوّل تدريجي في المزاج الحزبي، لا سيما بين الشباب والناخبين التقدميين.

رحيل هويار، في هذا التوقيت تحديدًا، يحمل دلالة رمزية عميقة. فهو لا يعني فقط خروج شخصية نافذة، بل يشير إلى تراجع جيل سياسي كامل كان يرى في دعم إسرائيل مسألة فوق النقاش الحزبي. ومع غيابه، يُتوقع أن تزداد حدة النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول شروط المساعدات العسكرية، وحدود العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية، ودور جماعات الضغط في صياغة السياسة الخارجية الأميركية.

يُظهر نموذج الرحلات الممولة (للنواب الجدد وعائلاتهم) إلى إسرائيل كيف يمكن للنفوذ السياسي أن يُمارس دون تشريعات أو ضغوط مباشرة. فالتجربة الشخصية، حين تُصاغ بعناية وتُقدَّم في لحظة سياسية مبكرة، تصبح أداة فعالة لإعادة إنتاج مواقف سياسية بعيدة المدى. دور هويار هنا لم يكن تنظيميًا فقط، بل تربويًا بمعناه السياسي، إذ ساهم في "تكوين" أجيال من المشرّعين على رؤية واحدة للصراع.

يشار إلى أن التحول داخل الحزب الديمقراطي لا يعني بالضرورة قطيعة مع إسرائيل، بل يعكس رغبة متزايدة في إعادة تعريف العلاقة بعيدًا عن الاصطفاف الأعمى. مقاومة هذا التحول من قبل قيادات تقليدية مثل هويار أخّرت النقاش، لكنها لم توقفه. ومع خروجه من المشهد، قد تجد الأصوات الناقدة مساحة أوسع لربط الدعم الأميركي بقيم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

الأهم في تقاعد هويار ليس ما انتهى، بل ما قد يبدأ. فالسؤال المطروح الآن: هل سيملأ الفراغ قادة جدد يعيدون إنتاج النموذج ذاته، أم أن اللحظة السياسية تسمح بمراجعة حقيقية لدور اللوبيات في توجيه السياسة الخارجية؟ الإجابة ستحدد مستقبل النقاش الأميركي حول إسرائيل، وربما تعيد رسم حدود "الإجماع" الذي حكم واشنطن لعقود.

دلالات

شارك برأيك

تقاعد ستيني هويار من الكونغرس بعد عقود من النفوذ المؤيد لإسرائيل والولاء ل"إيباك"

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.