ليست معاناة الأسرى الفلسطينيين حكاية سجونٍ فقط، بل مأساة وطنٍ كامل يُعتقل معه أبناؤه وأمهاته وأطفاله. في زنازين الاحتلال الإسرائيلي، لا يُسلب الأسير حريته فحسب، بل تُصادر إنسانيته يومًا بعد يوم، في ظروف اعتقال قاسية تحرمه من أبسط حقوقه: الطعام الكافي، العلاج، الزيارة، وحتى النوم الآمن.
يجوع الأسرى كما يجوع أهل غزة، ويُحاصرون كما تُحاصر المدن، لكن جوع الأسير صامت، خلف الجدران، بلا كاميرات ولا عناوين عاجلة. هو جوعٌ متعمد، وسياسة إذلال ممنهجة، وعقاب جماعي يستهدف الجسد والروح معًا.
عائلات الأسرى… العقوبة التي لا يراها أحد
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الزنزانة. خارج السجن، تعيش عائلات الأسرى حصارًا آخر لا يقل قسوة:
زوجات يحملن عبء الأسرة وحدهن، أطفال يكبرون على صورة مؤجلة لأبٍ مغيب، وآباء وأمهات يشيخون على بوابات السجون.
السؤال المؤلم الذي لا يُطرح بما يكفي: من يعيل هذه العائلات؟ من يحمي كرامتها الاقتصادية؟ ومن يحول صمودها من مجرد احتمال إلى قدرة حقيقية على الاستمرار؟
هذه العائلات تدفع ثمنًا وطنيًا باهظًا، ومع ذلك كثيرًا ما تُترك على هامش الاهتمام، وكأن معاناتها تفصيل جانبي لا جوهر القضية.
بين الجهد الرسمي وغياب الزخم الشعبي
لا يمكن إنكار الجهود التي تبذلها هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني من متابعة قانونية، ووقفات تضامنية، وحضور إعلامي متواصل. هذه جهود مشكورة وضرورية، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تتحول إلى حراك شعبي واسع وضاغط.
لماذا لا تتجاوز الوقفات أعداد العشرات أو المئات، في قضية تُعد من أكثر القضايا مركزية ومصيرية في الوعي الفلسطيني؟
لماذا لا تتحول قضية الأسرى إلى حالة اشتباك جماهيري دائم، لا موسمي ولا مناسباتي؟
الشارع الغائب… والضغط الدولي المؤجل
قضية الأسرى ليست قضية فئة أو تنظيم، بل قضية الشعب الفلسطيني بأكمله. ولا يمكن بناء ضغط دولي حقيقي دون شارع حي، ولا يمكن إحراج الاحتلال أخلاقيًا دون رأي عام داخلي فاعل، يجعل من الأسرى أولوية دائمة لا خبرًا عابرًا.
غياب الزخم الشعبي لا يُضعف صوت الأسرى فحسب، بل يفرغ معاناتهم من قدرتها على التحول إلى قضية حقوق إنسان ضاغطة على المستوى الدولي.
الكرامة قبل الراتب… والحق قبل الإعانة
إن الحديث عن عائلات الأسرى والشهداء لا يكتمل دون التوقف عند البعد الاقتصادي، لا بوصفه مسألة “مساعدات”، بل باعتباره حقًا وطنيًا أصيلًا.
أي نقاش حول تحويل الرواتب أو المخصصات، إلى أي جهة كانت، يجب أن يكون نقاشًا قائمًا على الكرامة والقيمة والاحترام، لا على المنطق الإداري البارد أو الحسابات السياسية الضيقة. فالمال حين يُمنح بلا كرامة، يتحول من سندٍ للصمود إلى عبء نفسي، ومن حقٍ وطني إلى شعور بالانتقاص.
عائلات الأسرى والشهداء بحاجة إلى: تعزيز اقتصادي حقيقي ومستقر، لا حلول مؤقتة. وسياسات واضحة تحمي حقوقهم بعيدًا عن الابتزاز والضغوط.
خطاب رسمي يعترف بأن ما يُقدَّم هو استحقاق مقابل تضحية، لا منّة ولا مكافأة مشروطة.
لقد آن الأوان للانتقال بقضية الأسرى وعائلاتهم: من دائرة الخطابات إلى دائرة التفاعل الحقيقي، ومن التعاطف اللفظي إلى التشارك الفعلي، ومن الرمزية إلى الاعتزاز العملي.
حين يشعر الأسير أن عائلته مصونة بكرامة، وحين يشعر الطفل أن راتب والده الأسير وسام شرف لا صدقة، وحين تشعر الأم أن الوطن يقف معها سندًا وكرامة وحماية، عندها فقط يتحول الصمود من شعار إلى ممارسة يومية.
قضية الأسرى ليست فقط معركة حرية، بل امتحان كرامة، وعدالة اجتماعية، وصدق وطني. وأي مشروع وطني لا يضع كرامة الأسرى وعائلاتهم في صلب سياساته، سيبقى مشروعًا ناقصًا… مهما علت شعاراته، ومهما كثر حديثه عن الحرية.
الأسرى ليسوا أرقامًا، ولا ملفات مؤجلة، ولا صورًا على الجدران. هم نبض الحرية، وضمير القضية، واختبارنا الأخلاقي الحقيقي. وإن لم تتحول معاناتهم إلى صرخة شعب، فلن يسمع العالم أنين الزنازين، وسيظل الأسرى يجوعون وحدهم… خلف القضبان.





شارك برأيك
الأسرى الفلسطينيون: وجع الزنازين وامتحان الكرامة الوطنية