تُظهر البيانات الصادرة عن مؤسسات دولية وتقارير محلية أن الفساد في ليبيا لم يعد مجرد حالات فردية، بل تحول إلى ظاهرة هيكلية متجذرة ترتبط بشكل وثيق بدوائر صنع القرار والنفوذ. وقد تغلغلت هذه الآفة في كافة مستويات الدولة لدرجة أثرت على الوعي المجتمعي، حيث بات التمييز بين الحقوق والممارسات غير القانونية أمراً ملتبساً لدى قطاعات واسعة، في ظل تنوع أشكال الفساد من المخالفات البسيطة إلى الجرائم الاقتصادية الكبرى.
ولم تكن هذه الظاهرة وليدة اللحظة الراهنة، بل تمتد جذورها إلى مراحل تاريخية سابقة، حيث شهدت الحقبة الملكية بدايات الفساد مع تدفق عوائد النفط، ثم تفاقم الوضع خلال عهد النظام السابق الذي أدخل المؤسسات الإدارية في حالة من الفوضى تحت شعارات ثورية، تزامنت مع تأميم القطاع الخاص وسيطرة الدولة على الاقتصاد. ومع ذلك، شهدت البلاد بعد عام 2011 قفزة غير مسبوقة في معدلات الفساد، غذّاها الانقسام السياسي الحاد وضعف السلطة التنفيذية، مما مكن مجموعات المصالح من التغول على مفاصل الدولة.
ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد العالمي، تقبع ليبيا في ذيل القائمة الدولية، حيث تراوح ترتيبها بين المركزين 170 و173 من أصل 180 دولة خلال السنوات الأربع الماضية (2021-2024). ويعزو الخبراء هذا التدهور المستمر إلى هشاشة المؤسسات الحكومية، ومحدودية قدرة الأجهزة الرقابية والقضائية على إنفاذ القانون، في ظل تنافس محموم بين القوى المختلفة للسيطرة على المال العام لتعزيز نفوذها وسلطتها.
ويشكل غياب سيادة القانون المعضلة الأكبر في المشهد الليبي، وهو الركن الأساسي لأي تحول ديمقراطي ناجح. فالمؤشرات العالمية تؤكد العلاقة الطردية بين غياب القانون وتفشي الفساد. وفي الواقع الليبي، يتم تجاوز الدستور وعرقلة القوانين، وتجاهل الأحكام القضائية بشكل صارخ. وتشير الإحصائيات إلى أن العاصمة طرابلس وحدها شهدت عدم تنفيذ نحو 56 ألف حكم قضائي، شملت أحكاماً صادرة ضد شخصيات عسكرية وأمنية تم ترقيتها بدلاً من محاسبتها، مما يعكس حجم الأزمة على مستوى البلاد.
الصراع في جوهره يدور حول الموارد المالية، والكل يحاول السيطرة عليها أو الاستحواذ على أكبر قدر منها، مما يؤدي لمزيد من هدر الأموال وإضاعة الثروات.
وفي سياق الجرائم المالية، صنف التصنيف الدولي للجرائم الاقتصادية لعام 2025 ليبيا كواحدة من أكثر الدول عرضة لعمليات غسيل الأموال والجرائم المالية، مشيراً إلى تحولها لمحور لتدفق الأموال المشبوهة. وتتطابق هذه البيانات مع ما كشفه تقرير منظمة "ذي سنتري" الأخير، الذي أشار إلى تهريب ما يقارب 20 مليار دولار من عوائد النفط والوقود عبر شبكات تهريب معقدة تنشط في شرق البلاد وغربها بتواطؤ من شخصيات نافذة، مما يوضح حجم الاستنزاف الذي يتعرض له اقتصاد البلاد وقوت المواطنين.
وتؤكد الحقائق الميدانية أن معدلات الفساد ستواصل الارتفاع طالما بقي الانسداد السياسي قائماً، حيث أن جوهر الصراع يدور حول السيطرة على الموارد المالية للدولة. وسواء تم تقاسم هذه الموارد بالقوة أو عبر توافقات سياسية هشة، فإن النتيجة الحتمية هي استمرار هدر الثروات وتوسيع دائرة المنتفعين على حساب الشعب. وعليه، فإن مكافحة الفساد تتطلب حزمة إصلاحات متكاملة تبدأ بالحل السياسي، مروراً بإصلاح المنظومة القضائية، وصولاً إلى معالجات جذرية للهيكل الاقتصادي والمالي.
ورغم قتامة المشهد، تبرز بعض النقاط المضيئة المتمثلة في جهود المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها مكتب النائب العام الذي تصدى لمئات القضايا المتعلقة بالجرائم الاقتصادية، وأصدر أوامر بالقبض والحبس طالت مسؤولين كباراً ووزراء. إلا أن حجم الفساد المستشري يفوق قدرة المعالجات الفردية، فالخرق اتسع على الراقع، وما يتم إنقاذه يظل ضئيلاً مقارنة بحجم الهدر الهائل، مما يستدعي تبني استراتيجية إصلاح شاملة وجذرية.
وفي ظل عجز النخب السياسية أو تعمدها تجاهل استحقاقات مكافحة الفساد، قد يكون الحل في التحرك من القاعدة إلى القمة. وتطرح التجارب الدولية، مثل التجربة البلغارية مطلع الألفية، نموذجاً بديلاً يعتمد على حراك المجتمع المدني والخبراء ورجال الأعمال للضغط من أجل تبني مشروع وطني لمكافحة الفساد، وهو مسار قد يكون ضرورياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الحالة الليبية.





شارك برأيك
مؤشرات عالمية تكشف عمق أزمة الفساد في ليبيا: مليارات ضائعة وغياب لسيادة القانون