في عالمٍ تختلط فيه القوة بالقانون وتتقدم فيه إرادة الهيمنة على أي قيمة أخلاقية، لم يعد الهجوم على إسرائيل مجرد موقف سياسي، بل صار قراراً بتغيير مسار حياتك بالكامل، لأن كلمة واحدة ضدها يمكن أن تقلب أيامك جحيماً، فكيف إذا كان صاحب الكلمة قاضياً دولياً شارك في إصدار أمر توقيف بحق رئيس وزراء الاحتلال ووزير حربه، هنا لا يعود الأمر مجرد خلاف قانوني، بل يتحول إلى معركة وجود، إذ تُستدعى تهمة معاداة السامية كأداة جاهزة، وتأتي معها العقوبات الأمريكية كعقوبة فورية لا تقبل الاستئناف، فيتم سحق حياة الفرد وسمعته ومساره المهني حتى لو كان أوروبياً وفي قلب أوروبا.
تقرير صحيفة لوموند الفرنسية جاء كوثيقة سياسية أكثر منه تحقيقاً صحفياً، لأنه كشف تواطؤ القوة مع المال والضغط السياسي في مواجهة أي قاضٍ يجرؤ على رفع صوته ضد جرائم الاحتلال، فقد عرض التقرير تفاصيل محنة القاضي الفرنسي نيكولا غييو، أحد قضاة المحكمة الجنائية الدولية المشاركين في إصدار أوامر توقيف ضد بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وهو اليوم يعيش ما يشبه الإقامة الجبرية الاقتصادية بعد إدراجه على قائمة العقوبات الأمريكية منذ العشرين من آب الماضي، في عقوبة غير مسبوقة تطول قاضياً دولياً يمارس عمله وفق القانون وضمير المحكمة.
ففي اللحظة التي أعلن فيها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن العقوبات جاءت بسبب استهداف قادة إسرائيليين، فتح الباب أمام مستوى جديد من الضغوط، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بالدفاع السياسي عن إسرائيل، بل باتت تحاكم كل من يحاول مساءلتها، حتى لو كان ضمن جهاز العدالة الدولية نفسه، التقرير كشف أن العقوبات حرمت غييو من أبسط العمليات المصرفية، فكل معاملة بالدولار أو بعملة مرتبطة به أو عبر مؤسسة لها علاقة بالسوق الأمريكية أصبحت ممنوعة، وحتى البنوك الأوروبية سارعت إلى إغلاق حساباته خوفاً من التداعيات، ما جعله محاصراً مالياً في فرنسا وهولندا في آن واحد.
هذه الممارسات جعلت غييو يطالب أوروبا بتفعيل قانون الحجب، وهو آلية وُجدت أصلاً لحماية المواطنين الأوروبيين من العقوبات الخارجية، لكن الواقع اليوم يكشف أن الاتحاد الأوروبي ليس قادراً بعد على حماية أحد من نفوذ الدولار، ولا على الدفاع عن استقلال قرارات قضاته، فالسيادة المالية لا تزال مرهونة بقرار واشنطن، والسيادة القانونية تُدفن تحت ضغط اللوبي الإسرائيلي الذي يحوّل كل نقد إلى معاداة للسامية، وكل مطالبة بالعدالة إلى تهديد للأمن الغربي.
وما يعيشه غييو ليس حالة فردية، فالمقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي تتعرض للعقوبات ذاتها، فقط لأنها وصفت ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية، ولأنها كسرت المحرم الأمريكي القائم على حماية إسرائيل مهما فعلت، فدفعت الثمن من سمعتها ووظيفتها وقدرتها على السفر والعمل، في مشهد يعكس حجم الخوف الذي تثيره الحقيقة حين تأتي من صوت يمتلك الشرعية الأخلاقية والقانونية.
إن العقوبات ضد القضاة والمقررين ليست إلا رسالة سياسية تقول إن محاسبة إسرائيل خط أحمر مهما كانت الجرائم، وأن القانون الدولي مجرد نص جميل ما لم توافق عليه واشنطن، وأن كل من يحاول تطبيقه سيُعاقب كما يُعاقب المجرمون، بل ربما أشد، لأن عقوبته لا تأتي من قضاء مستقل، بل من قوة عظمى تمتلك المال والسلاح والشبكات المالية العالمية التي تتحكم في شرايين الحياة اليومية.
هكذا يتحول القاضي إلى متهم، والضحية إلى جانٍ، والعدالة إلى جريمة يعاقب صاحبها بحرمانه من بطاقات مصرفية ومن حسابات إلكترونية في غوغل وآبل وأمازون، وكأن العالم كله بُني ليخدم الرواية الإسرائيلية ويقمع كل من يجرؤ على مساءلتها، وان إسرائيل هي الكيان الاوحد في العالم الذي فوق القانون ولها حرية التصرف بل وتحمل صكوكًا بالقتل والإبادة والتهجير، إنها لحظة تكشف أن النظام الدولي ليس سوى هندسة أمريكية تحكمها المصالح لا المبادئ، وأن حماية إسرائيل لم تعد مجرد خيار سياسي، بل باتت عقيدة تفرضها واشنطن على العالم بالقوة المالية والقانونية والإعلامية.
ومع ذلك، فإن ما فعله غييو وألبانيزي يشكل شرخاً في هذا الجدار، لأن العقوبات مهما بلغت قسوتها لن تكتم حقيقة أن هناك جريمة تُرتكب في غزة، وأن صوت العدالة مهما خُنق سيبقى شاهداً على ما حدث، وأن التاريخ لن يكتب الرواية الأمريكية، بل سيسجل أسماء أولئك الذين دفعوا أثماناً شخصية باهظة لأنهم قالوا كلمة حق في وجه القوة.
أقلام وأراء
الأربعاء 26 نوفمبر 2025 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
حين تصبح العدالة جريمة وفي القفص.. أمريكا تعاقب القضاة وتحمي المجرمين