يصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض يوم الاثنين، 17 تشرين الثاني 2025، حاملاً "قائمة أمنية" ثقيلة تعكس حجم التحولات في العلاقات الثنائية. وتأتي الزيارة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وسط حرب غزة المستمرة، وضغوط أميركية على حلفائها لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي بما يخدم أولويات واشنطن.
وتشير مصادر مطلعة إلى أنّ أجندة ابن سلمان تتضمن ثلاثة ملفات أساسية: ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة قد تصل إلى مستوى شراكة دفاعية خاصة، والحصول على مقاتلات F-35 المتطورة التي تطمح الرياض إلى ضمّها لأسطولها منذ سنوات، إضافة إلى برنامج طاقة نووية مدنية بضمانات أميركية. غير أن اللافت في هذه الزيارة هو غياب ملف التطبيع مع إسرائيل من قائمة المطالب، رغم إصرار واشنطن منذ سنوات على جَعله شرطاً لأي تقدم استراتيجي في العلاقات الثنائية.
هذا الغياب ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل يعكس قراءة سعودية تعتبر أن أي خطوة باتجاه التطبيع في ظل حرب غزة ستكون مكلفة داخلياً وإقليمياً. كما يعبّر عن رغبة الرياض في إعادة ضبط علاقتها مع واشنطن على قاعدة المصالح المتبادلة بعيداً عن ربطها بالمسار الإسرائيلي–الفلسطيني، خصوصاً بعد تآكل مكانة إدارة بايدن السابقة لدى الرأي العام العربي بسبب دعمها غير المشروط لإسرائيل.
السعودية اليوم تحاول الاستفادة من اللحظة السياسية الحالية التي تعود فيها إدارة ترمب إلى المشهد العالمي بنزعة أكثر هجومية، وبطموح لإعادة تشكيل نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تسعى الرياض إلى تثبيت موقعها كشريك لا غنى عنه، سواء عبر دورها الاقتصادي والاستثماري، أو من خلال موقعها الرمزي في قيادة العالمين العربي والإسلامي. واللافت أن ولي العهد يدخل هذه المرة إلى البيت الأبيض بثقة أكبر، مدعوماً بمرحلة انتقالية داخلية أكثر استقراراً، وبقدرة على اتخاذ قرارات إستراتيجية بدون التردد الذي طبع السنوات الأولى من بروز اسمه.
أما بالنسبة لترمب، فإن استضافة ابن سلمان تمثل فرصة لتعزيز سرديته بأن إدارته قادرة على تحقيق ما عجز عنه الآخرون. فالرئيس الذي عاد إلى السلطة بخطاب يمزج بين الواقعية السياسية والشعبوية القومية يريد أن يثبت لحلفائه وخصومه أن الولايات المتحدة ما زالت القوة المحورية القادرة على إعادة ترتيب أوراق المنطقة. ويُتوقع أن يستخدم ترمب اللقاء للتأكيد أن واشنطن مستعدة لتقديم "ضمانات أمنية" غير مسبوقة للسعودية في مقابل تعاون أوسع ضمن ملفات تشمل الطاقة، والاستثمارات، والحد من النفوذ الإيراني.
غير أن معضلة التطبيع مع إسرائيل تظل تحدياً رئيسياً. فترمب، الذي يعتبر ملف "اتفاقات أبراهام" أحد أهم إنجازاته، يدرك أن إقناع السعودية بالانضمام إلى هذا المسار سيمنحه انتصاراً سياسياً كبيراً. لكنّ الرياض تبدو مصمّمة على الفصل بين المسارين: الأمني–الاستراتيجي من جهة، والعلاقة مع إسرائيل من جهة أخرى. ويرى مراقبون أن هذا التحوّل يعبّر عن إدراك سعودي بأن التطبيع في ظل حرب غزة سيضع المملكة في مواجهة مباشرة مع شعوب المنطقة ومع جزء من مؤسساتها الدينية والقبلية، وهو ثمن لا يبدو أن القيادة السعودية مستعدة لدفعه الآن.
وتراقب إسرائيل هذه الزيارة بقلق واضح؛ فالحصول السعودي المحتمل على F-35 أو على برنامج نووي مدني متقدم قد يغيّر ميزان القوى الإقليمي، خصوصاً إذا جاء دون مقابل سياسي مباشر لتل أبيب. وتخشى الدوائر الإسرائيلية من أن يؤدي ذلك إلى تراجع قدرة واشنطن على استخدام ملف التطبيع كأداة نفوذ على الرياض، ما يعني أن حقبة جديدة من التوازنات قد تكون في طور التشكل بعيداً عن الاعتبارات الإسرائيلية التقليدية.
ومع ذلك، يرى عدد من الخبراء أن الرياض تدرك تماماً أن واشنطن ما زالت لاعباً لا يمكن الالتفاف حوله في المجالات الحساسة مثل التسليح المتطور والتكنولوجيا النووية. ولذلك تتجه السعودية إلى استراتيجية “المقايضة الموسعة”: تعزيز اعتمادها على الولايات المتحدة في الملفات الأمنية مقابل ترك مساحة لها للتحرك المستقل في الملفات السياسية الإقليمية. وبذلك تسعى القيادة السعودية إلى خلق صيغة شراكة تحفظ لها الدور المركزي من دون أن ترهن قرارها السياسي.
تُظهر زيارة ابن سلمان لواشنطن أن الرياض تتحرك اليوم بثقة أكبر في رسم سياستها الخارجية، مستفيدة من تعدد خياراتها الدولية، من الصين إلى روسيا، ومن قدرتها على المناورة في سوق الطاقة. غير أن توازن العلاقة مع الولايات المتحدة يظل عاملاً حاسماً في حساباتها الاستراتيجية. ولذلك تحاول السعودية انتزاع أكبر قدر من المكاسب الأمنية والتكنولوجية، مع تجنّب أي التزامات سياسية قد تقيّد هامش تحركاتها الإقليمية في المستقبل.
كما تمثل الزيارة اختباراً لقدرة الطرفين على إعادة صياغة تحالفهما بعيداً عن المعادلات القديمة. فالسعودية تريد اتفاقاً أمنياً–تقنياً واسعاً يعزز نفوذها الإقليمي، فيما تسعى واشنطن إلى هندسة ترتيبات جديدة تضمن استمرار نفوذها في منطقة يتزايد فيها الحضور الصيني والروسي. وبينما تبقى إسرائيل الحاضر الغائب في هذا المشهد، يبدو أن ميزان المصالح—لا الضغوط السياسية—هو ما سيحكم مسار العلاقة بين الرياض وواشنطن في المرحلة المقبلة.





شارك برأيك
زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن... "قائمة أمنية" موسّعة دون تطبيع مع إسرائيل