عربي ودولي

الإثنين 10 نوفمبر 2025 4:42 مساءً - بتوقيت القدس

غزة بعد الحرب: بلير وكوشنر يقودان مشروع "السلام التجاري" الأميركي

واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

مع بدء سريان وقف إطلاق النار الذي رعتْه الولايات المتحدة بين إسرائيل وحركة حماس يوم 10 تشرين الأول الماضي، تتجه إدارة الرئيس دونالد ترمب نحو ما تسميه "خطة السلام الجديدة"، وهي في جوهرها مشروع اقتصادي ضخم لإعادة إعمار غزة وتحويلها إلى منطقة استثمارية جاذبة لرأس المال العالمي.

هذا "السلام" لا يقوم على مصالحة سياسية بقدر ما يراهن على "الفرص" التي خلفها الدمار، من خلال مشاريع عقارية وتجارية عملاقة يتصدر واجهتها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، فيما يعود جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى موقع النفوذ كمفوضٍ فعلي لإدارة ما بعد الحرب، واضعاً خبرته في "صفقة القرن" واتفاقيات التطبيع في خدمة مشروع "السلام عبر التنمية".

بلير: من حرب العراق إلى "مجلس السلام" في غزة

منذ الحرب على العراق واحتلاله عام 2003، لم يغادر بلير المسرح الشرق أوسطي. فقد قاد بريطانيا إلى الحرب استناداً إلى مزاعم أسلحة الدمار الشامل، ما أكسبه سمعة "مجرم حرب". اليوم، وبعد عقدين، يعود ليشرف على ما يسمى "مجلس السلام" في غزة، مكلفاً بإدارة الإعمار الاقتصادي للقطاع المنكوب.

حين كان مبعوثاً للجنة الرباعية الدولية عام 2009، تفاخر بانتزاع موافقة إسرائيل على قيام شركة اتصالات فلسطينية جديدة، لكن الوثائق كشفت أن الصفقة تضمنت تنازلاً فلسطينياً عن رفع قضية جرائم الحرب الإسرائيلية في الأمم المتحدة بعد عملية "الرصاص المصبوب". تلك الحادثة كشفت باكراً كيف يُستبدل العدل بالصفقات، والسياسة بالاستثمار.

"جعل غزة آمنة للرأسمالية الأميركية"

بعد مغادرته رئاسة الوزراء، انغمس بلير في شبكة معقدة من الأعمال والاستشارات، فعمل مستشاراً لبنك "جي بي مورغان" بمليون دولار سنوياً، ولشركات مثل "بترو ساودي" و"زوريخ للتأمين" مقابل عمولات ضخمة، بينما كان في الوقت ذاته مبعوثاً للسلام.

وفي عام 2017، جمع مؤسساته الخيرية والتجارية تحت مظلة واحدة هي "معهد توني بلير للتغيير العالمي" (TBI)، الذي توسّع ليشمل نحو 900 موظف في 45 دولة، وبلغت إيراداته بحلول 2022 أكثر من 145 مليون دولار.

ينتقد خصومه المعهد باعتباره "لوبي دولي" يخدم مصالح الشركات الكبرى والدول الثرية، مستخدماً عناوين مثل "الحكم الرشيد" و"التحول الرقمي". وتؤكد تقارير أن ممثلي المعهد شاركوا في اجتماع في يوليو الماضي لمناقشة تصورات "غزة ما بعد الحرب"، تضمنت خططاً لتحويل القطاع إلى "منطقة اقتصادية خاصة" تتخللها مشاريع مثل "ريفييرا ترمب" و"منطقة تصنيع ذكية" على نمط مشاريع إيلون ماسك. والأخطر اقتراح يقضي بـ"تعويض نصف مليون فلسطيني لمغادرة غزة" لتهيئة الأرض أمام المستثمرين العقاريين.

المال والتكنولوجيا: حلف المصالح

يقف وراء توسع بلير ممولون كبار أبرزهم لاري إليسون، الصهيوني المتطرف الذى اشترى تيك توك حديثا، ومؤسس شركة "أوراكل" العملاقة، الذي تبرع بنحو 300 مليون دولار لمعهد بلير. إليسون، المعروف بعلاقاته الوثيقة بإسرائيل، موّل مشاريع مثيرة للجدل، بينها دعم جيش الاحتلال وتمويل حفريات في القدس الشرقية المحتلة.

ويُروّج بلير لمشاريع رقمية في الصحة والتعليم باعتبارها أدوات للشفافية، لكنها عملياً توسّع هيمنة الشركات المانحة وتفتح الباب أمام خصخصة القطاعات العامة — وقد تكون غزة المحطة التالية.

هذا التوجه يعكس رؤية بلير لمرحلة "ما بعد الصراع"، حيث تتحول الأنقاض إلى فرص استثمارية، وتُدار المجتمعات المنكوبة كمشاريع اقتصادية مربحة تحت إشراف دولي.

جاريد كوشنر يعود إلى الواجهة

في هذا السياق، يعود جاريد كوشنر ليتولى الدور الذي يجيد أداءه: تحويل السياسة إلى استثمار.

كوشنر، الذي صاغ "صفقة القرن" (2020 ) وفق تعليمات نتنياهو، وساهم في اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدة دول عربية، يسعى الآن إلى دمج غزة ضمن مشروعه الأوسع "السلام عبر التنمية"، مستفيداً من شبكة علاقاته في وادي السيليكون والخليج.

ومن خلال شركاته العقارية وصناديق الاستثمار التي يديرها، يعمل على جذب رؤوس أموال لتطوير مشاريع في غزة وربطها بالمنظومة الاقتصادية الإسرائيلية، بحيث تصبح المنطقة خاضعة لإشراف أميركي – إسرائيلي غير مباشر.

وبينما يتصدر بلير المشهد بصفته "المدير الدولي"، يعمل كوشنر من وراء الكواليس "كالمهندس" الذي يضمن استمرار النفوذ الأميركي ومصالح الشركات في السيطرة على ثروات غزة الطبيعية، وفي مقدمتها الغاز البحري الذي ظل محور نزاع منذ أواخر التسعينيات.

واقع جديد بلا سيادة

الهدف النهائي من هذه الترتيبات هو خلق "واقع جديد" في غزة، منطقة خالية من السلاح والمقاومة، مفتوحة أمام رؤوس الأموال الأجنبية، وتُقدَّم كنموذج "سلام تنموي" تفرضه واشنطن على مقاس مصالحها.

لكن ما يُسوَّق كـ"إعادة إعمار" يبدو في جوهره إعادة هيكلة سياسية واقتصادية تحت إشراف أجنبي مباشر، تُدار فيها غزة كمحمية استثمارية، فيما يُهمَّش الدور الفلسطيني مرة أخرى.

هكذا، تتحول غزة، التي شهدت دماراً غير مسبوق، إلى مختبر جديد للرأسمالية الأميركية بعد الحرب، حيث تتقاطع المصالح التجارية والسياسية والدينية تحت شعار "السلام"، بينما تُعاد صياغة الجغرافيا والاقتصاد والهوية الفلسطينية بما يخدم القوى المهيمنة – لا سكان الأرض المنكوبة أنفسهم .

دلالات

شارك برأيك

غزة بعد الحرب: بلير وكوشنر يقودان مشروع "السلام التجاري" الأميركي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.