عربي ودولي

الجمعة 19 يونيو 2026 8:52 مساءً - بتوقيت القدس

اشتراطات أمريكية لدعم حكومة الزيدي: تفكيك الفصائل وانفتاح استراتيجي على سوريا

فتحت زيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص، توم باراك، إلى العاصمة العراقية بغداد، آفاقاً جديدة للتساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة في العلاقات الثنائية. وتسعى واشنطن من خلال هذه التحركات إلى إعادة رسم الأولويات الأمنية والاقتصادية للعراق، واضعةً شروطاً محددة مقابل استمرار الغطاء السياسي والدعم الاقتصادي لحكومة علي الزيدي.

وخلال المباحثات الرسمية، شدد الجانبان على أهمية الشراكة الاستراتيجية، مع تركيز أمريكي مكثف على ملفات الطاقة والاستثمار وحصر السلاح بيد الدولة. وتأتي هذه التحركات تمهيداً لزيارة مرتقبة يعتزم رئيس الوزراء العراقي القيام بها إلى البيت الأبيض في منتصف تموز/ يوليو المقبل، بناءً على دعوة رسمية من الرئيس دونالد ترامب.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الحكومة العراقية بدأت بالفعل إجراءات عملية لإعادة تنظيم الفصائل المسلحة قبل وصول المبعوث الأمريكي. وشملت هذه الخطوات تشكيل لجان مختصة تعمل على إعادة هيكلة بعض التشكيلات العسكرية ودمجها ضمن أطر الدولة الرسمية، لتقليل الاعتماد على المسميات الفصائلية التقليدية.

وتشير التقارير إلى وجود توجه جدي لإعادة ترتيب بنية هيئة الحشد الشعبي، من خلال تدوير القيادات الحالية وتصعيد عناصر أقل ارتباطاً بالخطابات العقائدية أو الحزبية. ويهدف هذا المسار إلى خلق مؤسسة عسكرية أكثر انضباطاً وامتثالاً للقرار المركزي، وهو ما يمثل مطلباً أساسياً للإدارة الأمريكية الحالية.

وفي سياق متصل، برز الملف السوري كأحد أهم محاور النقاش بين بغداد وواشنطن، حيث تشجع الولايات المتحدة العراق على الانفتاح الواسع على دمشق. وسبق هذه التوجهات زيارة قام بها رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي، حميد الشطري، إلى العاصمة السورية حيث التقى بالرئيس السوري أحمد الشرع لبحث التنسيق الأمني.

وترى واشنطن أن دمج سوريا الجديدة في محيطها العربي يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وتأمين الحدود المشتركة. ومع ذلك، يواجه هذا التوجه تحديات داخلية في العراق، نظراً لغياب الإجماع بين القوى السياسية، وخاصة تلك القريبة من طهران، حول طبيعة العلاقة مع النظام السوري الجديد.

وتجد حكومة الزيدي نفسها أمام معادلة صعبة توازن فيها بين الرغبة الأمريكية في الانفتاح على دمشق وبين التحفظات الإيرانية. فالمضي قدماً في هذا المسار قد يعزز الدعم الأمريكي، لكنه في الوقت ذاته قد يثير توترات مع حلفاء طهران الذين يخشون تراجع نفوذهم الاستراتيجي في المنطقة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، حملت زيارة باراك رسائل إيجابية تمثلت في الإشادة بمنح رخصة تشغيل لشركة 'ستارلينك' العالمية في العراق. كما بدأت بغداد مفاوضات جادة مع شركة 'شيفرون' لتطوير الحقول النفطية، مما يعكس رغبة في تحويل العلاقة مع واشنطن من طابعها الأمني الصرف إلى شراكة استثمارية واسعة.

ومن أبرز المشاريع المطروحة على طاولة البحث، إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، الذي يربط الحقول العراقية بالموانئ السورية على البحر المتوسط. ومن شأن هذا المشروع أن يوفر للعراق منفذاً استراتيجياً لتصدير النفط بعيداً عن التعقيدات الجيوسياسية في مضيق هرمز، ويقلل من الضغوط الاقتصادية الإقليمية.

ويرى مراقبون أن دعم واشنطن للزيدي يأتي في إطار استراتيجية 'التغيير الهادئ'، التي تهدف إلى تقوية مؤسسات الدولة على حساب القوى التقليدية. فالزيدي، بخلفيته الاقتصادية، يسعى لجعل العراق جزءاً من منظومة دولية مستقرة، وهو ما يتناغم مع رؤية الإدارة الأمريكية لتقليص نفوذ الجماعات المسلحة.

إلا أن تنفيذ هذه الاشتراطات، وخاصة تفكيك السلاح والقضاء على اقتصاديات الأحزاب، يواجه عقبات بنيوية عميقة في العملية السياسية العراقية. فالفصائل المسلحة تمتلك غطاءً سياسياً قوياً وقاعدة بشرية واسعة، مما يجعل من الصعب تحديد سقف زمني نهائي لإنهاء وجودها المسلح بشكل كامل.

وتخشى طهران من أن يؤدي التقارب العراقي السوري التركي إلى تشكيل 'محور' يضعف من مكانتها كرئة اقتصادية وحيدة لبعض الأطراف. لذا، فإن أي تحرك عراقي نحو دمشق سيصطدم حتماً بالـ 'فيتو' الإيراني الذي يحاول الحفاظ على العراق كساحة نفوذ استراتيجي واقتصادي أساسي له.

وفي ظل هذه المعطيات، ستكون الأشهر القليلة المقبلة حاسمة في تحديد مسار السياسة الخارجية العراقية، خاصة بعد لقاء الزيدي وترامب المرتقب. وسيتعين على الحكومة العراقية تقديم ضمانات ملموسة بشأن حصر السلاح إذا أرادت الحفاظ على وتيرة الدعم الأمريكي المتصاعد.

يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة العراقية هو القدرة على تنفيذ التعهدات الدولية دون الانزلاق إلى صراع داخلي مع القوى الرافضة للتغيير. فالموازنة بين المصالح الأمريكية والإيرانية في الساحة العراقية تظل المهمة الأصعب التي تواجه أي رئيس وزراء يسعى لاستعادة سيادة الدولة الكاملة.

دلالات

شارك برأيك

اشتراطات أمريكية لدعم حكومة الزيدي: تفكيك الفصائل وانفتاح استراتيجي على سوريا

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.