بقلم: د. ياسر أبوبكر
بعد نشر مقالي السابق في صحيفة القدس بعنوان «استراتيجيات التعليم في القهر: من التجربة الإنسانية إلى النموذج الفلسطيني»، والذي تناولت فيه التحولات العميقة التي جعلت من التعليم تحت القهر فعلًا وطنيًا مقاومًا يتجاوز حدود المؤسسة إلى فضاء الوعي، تلقيت تفاعلًا واسعًا من القراء والباحثين والمعلمين. وقد لفتني سؤال وجّهه إليّ زميلي في القهر، الأستاذ حمزة الحاج، يقول فيه: "كيف يمكن استعادة هذا النموذج في واقعنا، هنا والآن؟"
سؤال بسيط في عبارته، لكنه يمسّ جوهر التحدي الراهن في التعليم الفلسطيني والعربي على السواء: كيف نحافظ على روح المقاومة المعرفية في زمنٍ تغيّرت فيه أشكال القهر ولم تتبدّل جذوره.
إنّ استعادة النموذج الفلسطيني في التعليم تحت القهر لا تتمّ بالعودة إلى الماضي بوصفه حنينًا، بل باستحضاره كمنهج عمل. لقد كان ذلك النموذج ابنَ لحظته التاريخية، ونتاج وعيٍ جمعيّ أدرك أنّ التعليم ليس ترفًا بل ضرورة وجودية، وأن المعرفة هي خط الدفاع الأخير عن الكرامة. يومها، لم يكن التعليم فعل مؤسساتٍ أو برامج ممولة، بل فعلًا شعبيًا قاعديًا خرج من رحم الخوف ليصنع الأمل، ومن قلب العتمة ليصوغ الوعي.
اليوم، نحن أمام قهرٍ مختلف الملامح لكنه متشابه الجوهر. لم يعد الاحتلال وحده من يحاصر العقل، بل تشاركه منظومات إعلامية واقتصادية ورقمية تُعيد تشكيل الوعي وتستبدل التفكير بالاستسلام. لذا فإن استعادة النموذج الفلسطيني تعني أولًا إحياء الوعي التربوي المقاوم الذي يرى في التعليم وسيلة للتحرر لا وسيلة للتطبيع مع الواقع. تبدأ هذه الاستعادة من المعلم، حين يدرك أنه ليس ناقلًا للمعلومة بل حامل لرسالة، ومن المتعلم حين يتجاوز منطق الاستهلاك المعرفي إلى إنتاج المعنى والوعي.
كما لا يمكن لهذا النموذج أن يُبعث دون المجتمع، الذي كان دومًا الحاضنة الأولى للتعليم المقاوم. ففي لحظات الانقطاع والانهيار، كانت البيوت والمساجد والساحات مدارسَ بديلة، وكانت الأمهات والآباء والمثقفون معلمين بالضرورة لا بالوظيفة. لذلك، فإن أي إصلاح تعليمي اليوم يجب أن يعيد وصل المدرسة بالحياة، والمنهاج بالواقع، وأن يرى في كل فضاءٍ محتمل مساحةً للتعلّم.
أما العنصر الثالث فهو المبادرة، تلك الروح التي صنعت التعليم في السجون والمخيمات والمنافي. المبادرة التي لا تنتظر قرارًا رسميًا، بل تبدأ من المعلم في قريته، من الطالب في بيته، من المثقف في نصّه. فحين يتحول التعليم إلى مشروع وطني جامع، يصبح القهر نفسه بيئة للتجدد، لا للانكسار.
إنّ استعادة هذا النموذج اليوم تتطلب شجاعة فكرية وموقفًا أخلاقيًا؛ أن نؤمن أن معركة الوعي لم تنتهِ، وأن أخطر أشكال الاحتلال هي تلك التي تستوطن العقول لا الأرض. التعليم المقاوم اليوم ليس بالضرورة تحت القصف، بل تحت سيل التضليل، وسط عالمٍ يسوّق الجهل في هيئة معرفة.
من هنا أقول لزميلي حمزة، ولجميع من تفاعل مع المقال السابق:
نستعيد النموذج الفلسطيني حين نعيد إلى التعليم رسالته التحررية، وحين نؤمن أن المعلم والمثقف والمجتمع هم حراس الوعي لا موظفو النظام. نستعيده حين يصبح الدرس فعلاً من أفعال المقاومة، وحين نعيد للمعرفة دورها في بناء الإنسان الحرّ لا المواطن المطيع.
ذلك هو الدرس الذي تركه لنا الأسرى والمعلمون في زمن القهر: أن الوعي، حين يولد في الظل، يصنع مستقبلًا لا تُطفئه العتمة.
وفي ختام هذا المقال، لا يسعني إلا أن أعبّر عن امتناني العميق لكل من تفاعل مع الفكر لا مع الاسم، مع الفكرة لا مع الكاتب.
شكرًا للزميل حمزة الحاج على سؤاله الملهم،والأستاذة سناء نجار على عمق رؤيتها وللأستاذ معتز السيد على مداخلته الثرية، والأستاذ خيري حمدان على إضافته التربوية الأصيلة، وللكاتبة المغربية كوثر فارس على قراءتها الوجدانية الراقية.
بهذه العقول والقلوب يتواصل الحوار، وبهذا الوعي فقط يمكن أن نعيد بناء التعليم الفلسطيني بوصفه فعلًا مقاومًا للزمن، وصانعًا لمستقبلٍ يليق بكرامة الإنسان





شارك برأيك
استراتيجيات التعليم في القهر... وكيف نعيد النموذج الفلسطيني اليوم؟