واشنطن– "القدس" دوت كوم -سعيد عريقات
في الأيام الأخيرة، لوحظ غياب شبه كامل لوزيري الأمن القومي والمالية الإسرائيليين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، عن المشهدين السياسي والإعلامي، في وقت تشهد فيه غزة تحولات ميدانية وسياسية مهمة منذ وقف إطلاق النار يوم 10 تشرين الأول الماضي. ويأتي هذا التراجع المفاجئ في ظهورهما بالتزامن مع تسلّم الولايات المتحدة عملياً مهام الإشراف على توزيع المساعدات الإنسانية في القطاع، في خطوة يصفها محللون بأنها بداية لتثبيت النفوذ الأميركي الميداني والسياسي في غزة.
التحرك الأميركي لم يقتصر على الجوانب الإنسانية، بل شمل وضع آلية رقابة صارمة على إدخال المساعدات وتوزيعها، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، مع التواصل المباشر مع السلطات المحلية في القطاع. ووفق دبلوماسيين غربيين في نيويورك، فإن من يسيطر على مفاتيح المساعدات يملك القدرة على التأثير في القرار السياسي، خصوصاً في مجتمع منهك ومحاصر مثل غزة، ما يمنح واشنطن نفوذاً غير مسبوق في إدارة القطاع.
أما في إسرائيل، فقد أثار هذا التوجه الأميركي استياء الجناح اليميني المتطرف داخل الحكومة، لكنه لم يلقَ ردوداً علنية كما في الماضي. يبدو أن نتنياهو يلعب دور الموازن بين واشنطن وشركائه، فيما بن غفير وسموتريتش أُجبرا على الصمت، سواء بقرار داخلي لتجنب صدام جديد مع البيت الأبيض، أو نتيجة ضغوط أميركية مباشرة. ونقلت مصادر إسرائيلية أن الإدارة الأميركية أبلغت نتنياهو بأن تصريحات الوزيرين تعرقل جهود إعادة الإعمار وتؤثر سلباً على العلاقات الثنائية، خاصة في ظل الدور المتعاظم لواشنطن في القطاع.
في خضم هذه التحولات، تتداول الأوساط الأمنية أنباء عن تفاهمات غير معلنة، تسمح بخروج نحو 120 مقاتلاً من حركة حماس موجودون في حي الفراح جنوب غزة، (بحثا عن جثامين إسرائيلية)، مقابل التزام الحركة بعدم استهداف القوات الأميركية العاملة في مناطق توزيع المساعدات. ورغم غياب التأكيد الرسمي، فإن تزامن هذه التسريبات مع انخفاض وتيرة العمليات الإسرائيلية وزيادة عدد القوافل الأميركية يوحي بوجود صفقة ميدانية صامتة، ربما تمت برعاية وسطاء إقليميين، وتغضّ إسرائيل الطرف عنها وفق الرغبة الأميركية.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية أصبحت تمسك بخيوط غزة السياسية والإنسانية معاً، إذ باتت القضايا الكبرى المتعلقة بالقطاع تُدار من واشنطن أكثر من تل أبيب. ويضيف هؤلاء أن الصمت الإعلامي لرموز التطرف داخل الحكومة الإسرائيلية ليس صدفة، بل يعكس مرحلة جديدة من ضبط المشهد الداخلي، بحيث لا تتحول تصريحات بن غفير وسموتريتش إلى عقبة أمام الخطط الأميركية لإعادة ترتيب الوضع في غزة.
كما يعتبر بعض المحللين أن هذا التراجع يعكس تراجع نفوذ الجناح الديني المتشدد داخل الحكومة الإسرائيلية لصالح جناح أمني – دبلوماسي أكثر براغماتية، ينسق مع واشنطن في الملفات الميدانية. وقد لوحظ أن الإعلام الإسرائيلي تجاهل تقريباً أي نشاط جديد للوزيرين في هذا التوقيت، في مؤشر على تراجع تأثيرهما داخل الحكومة وحتى على الرأي العام المحلي.
عملياً، تمنح سيطرة واشنطن على المساعدات نفوذاً مباشراً على الأرض، وفرصة لبناء شبكة مؤسساتية محلية ضمن الإشراف الدولي – الأميركي، قد تشكل نواة لإدارة جديدة للقطاع خلال المرحلة الانتقالية المقبلة. وهو ما يوضح أن التحرك الأميركي لا يقتصر على الجانب الإنساني، بل يتجاوز إلى البعد السياسي والاستراتيجي، بما يشمل مراقبة الجيش الإسرائيلي وتحركاته داخل غزة.
وفي إطار أوسع، يظهر الدور الأميركي في غزة كجزء من إستراتيجية شاملة لإعادة ترتيب ساحات النفوذ في المشرق، تمتد من جنوب لبنان إلى الضفة الغربية. فواشنطن تعمل على تثبيت هدنة غير رسمية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وتدفع باتجاه استئناف التنسيق الأمني في الضفة مع السلطة الفلسطينية، في رؤية متكاملة تهدف إلى منع انهيار كامل للوضع الإقليمي. من هذه الزاوية، يُقرأ التدخل الأميركي في غزة ليس كخطوة منفصلة، بل كحلقة في سلسلة تحركات إستراتيجية تعيد رسم خريطة التأثير في المنطقة، وتضع إسرائيل أمام واقع جديد لم تعد فيه صاحبة القرار المنفرد في مصير القطاع، بحسب ما قاله مصدر مطلع على هذه التحركات لمراسل جريدة القدس.
ويعتقد المصدر أن غزة دخلت مرحلة السيطرة الأميركية الصامتة، حيث تمزج واشنطن بين الإدارة الإنسانية والنفوذ السياسي، في حين تنكفئ الأصوات المتشددة داخل الحكومة الإسرائيلية عن المشهد، ما يعكس تحولاً جوهرياً في موازين القوى على الأرض، ومؤشراً مبكراً على ما قد تشهده المرحلة المقبلة من ترتيبات إقليمية أوسع.





شارك برأيك
غياب بن غفير وسموتريتش عن المشهد: بعد إمساك واشنطن بخيوط غزة وسط ترتيبات غامضة مع حماس